صوت الغيم


العودة   منتديات شلالات دافئة الأدبية > المنتديات العامة > المنتدى العام

آخر 10 مشاركات تعلم من النبات (الكاتـب : الورّاق - )           »          من أنتـَ / ـتِ ؟ (الكاتـب : مبارك الذِّبياني - آخر مشاركة : سامح حسين - )           »          صديقتى .... صديقتى (الكاتـب : سامح حسين - )           »          أيُنكرُ بعضُنا بعضا . شعر . عبدالهادي القادود (الكاتـب : عبدالهادي القادو - )           »          حبة الضغط النحيسةْ (الكاتـب : الإبراهيمي - )           »          يَآغَآزِيًآ..لكَ وإلَيْك المَفَر (الكاتـب : الحسناء - آخر مشاركة : مراد الساعي - )           »          ، ! أشَتهَـيْ ! ، (2 ) (الكاتـب : أنفاس الأنا - آخر مشاركة : فارس نجد - )           »          فلسفـــــةُ الـ أنــــا ...! (الكاتـب : ح ــلــم - آخر مشاركة : فارس نجد - )           »          ليت .. ليتني .. ليتك (الكاتـب : نبضة قلب - آخر مشاركة : أنفاس الأنا - )           »          " وَ غَيمَةٌ تَحْكِيْ " ! (الكاتـب : المَيسْ - آخر مشاركة : أنفاس الأنا - )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-20-2011, 12:23 AM   #111
نبضة قلب
تفاصيل مختلفة



الصورة الرمزية نبضة قلب
نبضة قلب متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 379
 تاريخ التسجيل :  Jun 2011
 المشاركات : 17,783 [ + ]
 التقييم :  2147483647
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Black
شكراً: 1,173
تم شكره 296 مرة في 226 مشاركة

مشاهدة أوسمتي

افتراضي طرائف الأدباء ..



ابراهيم ناجي

كل الشعب المصري والعربي عرف ناجي بعد
غناء الراحلة العظيمة كوكب الشرق السيدة أم
كلثوم لرائعته الأطلال، وعرفه الناس شاعر
رومانسي الهوى والبعض بحث بعدها عن ديوانه
والبعض اكتفى بالقصيدة ...
لكن الغالبية العظمى حتى من محبيه
لا يعرفون أن ناجي كان أحد ظرفاء عصرنا
وهذا قليل من كثير من نبع ناجي.

تقليد أعمى:

رأى ابراهيم ناجي فقيها ضريراً يمسك بيده مسبحة كهرمان ويغني طقاطيق منيرة المهدية:
فقال ناجي: الراجل ده بيقلد (منيرة المهدية) تقليد (أعمى)


إنت مش ناوي تروّح ؟:

كان ناجي مدعواً في حفلة وكان معه صديق أسود فلما طالت الحفلة أراد الذهاب لكن صاحب الحفلة طلب منه أن يبقى إلى طلوع النهار فالتفت ناجي إلى صديقه الأسود وقال:
إنت يا أخي مش ناوي تروّّح علشان النهار يطلع!


هاتوه قبل ما يفوق:

دُعِيَ ناجي إلى حفل عقد قران أحد أصدقائه وبينما كان المدعوون جالسين مع المأذون بانتظار العريس دخل أحدهم وقال:
- العريس واقف بره سكران.
- فرد ناجي على الفور: الحقوا هاتوه قبل ما يفوق.


الكلب الجاهل:

كان ناجي يحمل تصريحاً بالتجول في القاهرة ليلاً بعد حريقها المشهور وذات ليلة وهو يتجول سار وراءه كلب ضال وحاول ناجي إبعاده دون فائدة فظن ناجي أنه كلب بوليسي وأخرج له التصريح من جيبه لكن الكلب هجم عليه وعضه.
فقال ناجي: إخصي عليك.. أتاريك كلب جاهل ما بتعرفش تقرا.


تكتيك:

إتصل أحد الشعراء بالدكتور ناجي وكان لم يره منذ مدة وأنشده موال:
- يا حلو مالك كدا هاجر وروحي فيك
فرد عليه ناجي على الفور يكمل المقطع قائلاً:
- التقل شرعه كدا والحشمة والتكتيك.


أديب الدكاتره:

ذات مرة نقد الدكتور طه حسين الشاعر إبراهيم ناجي فقال:
- إنه طبيب الأدباء وأديب الأطباء.
فعلّق ناجي على هذا النقد القاسي بروحه المرحة قائلاً:
- أنا من هنا ورايح هكون طول النهار مع (الدكتور طه حسين) و(الدكتور طه بدوي) علشان أحس إنني أديب هو مش قال إنني أديب بين الدكاترة.


دفاع عن النفس:

كان ناجي يجلس ومجموعة من أصدقائه منهم محمود تيمور وإبراهيم المصري ومحمد أمين حسونه وغيرهم في جروبي عدلي ودخل عليهم عبد الحميد الديب وتناول ناجي بكلام بذي ولم يرد ناجي في جينه عليه ليس عجزاً وإنما ترفُّعاً ولم يتمالك شيطان شعره أن يمر الموضوع ويمضي صاحب الإساءة بإساءته فأطلق عليه صواريخه القاتلة:

رجلاً أرى بالله أم حشرة *** سبحان من بعيده حشره
يا فخر "دارين" ومذهبه *** وخلاصة النظرية القذرة
أرأيت قردا في الحديقة قد *** فلته أنثاه على شجرة
عبد الحميد إعلم فأنت كذا *** ما قال داورين وما ذكره
يا عبقرياً في شناعته *** ولدتك أمك وهي معتذرة



خيبة الله على أمها:

شاءت الأقدار أن يجلس ناجي إلى جوار فتاة حسناء وبدت عليه السعادة لذلك وأراد أن يكلمها لكنها أفهمته أن أمها تجلس إلى جوارها فقال وهو يولي وجهه عنها:

وغادة تجلس في جانبي *** كأنها الزهرة في كمها
أبدع ما تنظر عين امرئ *** وخيبة الله على أمها



طبيب الأسنان!

كان له صديق طبيب أسنان أرسل له يوماً هذه المداعبة الطريفة:

يا قُرّةَ العين يا (تمليِّ) *** يا واسع التدبير والحيل
يا خالع الضرسين في سنةٍ *** ومعقم الآلات في الحللِ




:d


 
 توقيع : نبضة قلب



ستظل في قلوبنا ياناصر كلما قرأناكَ حرفاً

الله يرحمك ويغفر لك


رد مع اقتباس
قديم 11-20-2011, 12:30 AM   #112
نبضة قلب
تفاصيل مختلفة



الصورة الرمزية نبضة قلب
نبضة قلب متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 379
 تاريخ التسجيل :  Jun 2011
 المشاركات : 17,783 [ + ]
 التقييم :  2147483647
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Black
شكراً: 1,173
تم شكره 296 مرة في 226 مشاركة

مشاهدة أوسمتي

افتراضي طرائف الأدباء ..



الحطيئة
(.. – 30 هـ )


ترى ماذا يكون رد فعل أحدكم إذا قابل رجلاً رث الثياب دميم الملامح قصيراً يكاد يكون قزماً بارز الفك، أسنانه غير منتظمة؟ لا شك أنك ستصاب بالاشمئزاز منه، وإذا أخبرك أحدهم أن هذا الرجل مجهول النسب فسوف يزداد سخطك عليه أما إذا زاد صاحبك في تعريفك به فقال أن اسمه الحطيئة وهي تصغير للحطأة فلا شك أنك ستتأكد من أن المساوىء قد اكتملت في هذا الرجل فلا الشكل ولا الإسم يبشران بخير، لكن احذر يا صديقي فهذا البدوي رث الهيئة مجهول النسب قذر الإسم شاعر من أعظم شعراء العربية وقد كان الهجاء عنده هواية واحترافا فلم يدع أحداً لم يهجه حيث هجا نفسه وأباه وأمه وهجا الزبرقان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجا زوج أمه وأضيافه، وكان يعلم أن الهجاء المقدع هو الذي يجعل الناس يضحكون من المهجو فيزيد آلامه النفسية، وكان الناس يعطونه عملاً بمبدأ "أطعم الفم تستحي العين".


الحطيئة يهجو نفسه

ذات يوم خرج الحطيئة إلى قارعة الطريق يبحث هنا وهناك بحثا عمن يهجوه فلم يجد ولما ضاق عليه ذلك كتم غيظه ي صدره وأنشأ يقول:

أبت شفتاي اليوم ألا تكلما *** بشر فما أدري ما أنا قائله
أرى لي وجهاً شوه الله خلقه *** فَقُبِّحَ من وجه وقُبّح حامله



الحطيئة يهجو أمه

ذات يوم وجدته أمه جالساً شارد الذهن فأرادت أن تخفف عنه فجلست إلى جواره تسأله عن سبب شروده فانطلق كالثور الهائج بعيداً عنها وهو يصرخ فيها:

تنحى واجلس عني بعيداًً *** أراح الله منك العالمينا
ألم أظهر لك البغضاء مني *** وإني لا أخالك تعقلينا
أغر بالاً إذا استودعت سراً *** وكانوناً على المتحدثينا
حياتك ما علمت حياة سوءٍ *** وموتك قد يسر الصالحينا



هجاؤه لزوج أمه

فلما رآه زوج أمه يهجوها بهذا الهجاء المقذع خرج إليه يسأله عن سبب نهره وسبه لها ويعنفه على ذلك فصرخ في وجهه هو الآخر:

لحاك الله ثم لحاك حقاً *** أبا ولحاك من عم وخال
فنعم الشيخ أنت لدى المخازي *** وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
جمعت اللؤم لا حياك ربي *** وأبواب السفاهة والضلال



هجاؤه لضيفه

حتى ضيفه الذي له حق الإكرام أكرمه على طريقته والمرء بالذي يجود وليس عنده أغزر ولا أوفر من الهجاء فهو في سعة من السباب والسفالة وها هو نصيب الضيف منه:

وسلم مرتين فقلت مهلاً *** كفتك المرّة الأولى السلاما
ونقنق بطنه ودعا رؤاساً *** لما قد نال من شبعٍ وناما



آخر شعره:

كان آخر ما قال الحطيئة من شعر قبل وفاته في هجاء نفسه:

لا أحـــــــدَ ألأمَ ... هجــــا بنيه وهجــــا
مِـــــــــــــــــنْ ... المريَّـــــــه
حُطيئــــــــــــه
من لؤمه مات على فُرَيَّــــه


 
 توقيع : نبضة قلب



ستظل في قلوبنا ياناصر كلما قرأناكَ حرفاً

الله يرحمك ويغفر لك


رد مع اقتباس
قديم 11-20-2011, 12:31 AM   #113
نبضة قلب
تفاصيل مختلفة



الصورة الرمزية نبضة قلب
نبضة قلب متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 379
 تاريخ التسجيل :  Jun 2011
 المشاركات : 17,783 [ + ]
 التقييم :  2147483647
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Black
شكراً: 1,173
تم شكره 296 مرة في 226 مشاركة

مشاهدة أوسمتي

افتراضي طرائف الأدباء ..



حافظ ابراهيم

لم يكن حافظ براهيم شاعر النيل شاعراً
فذاً فقط بل كان صورة ناطقة لكل المصريين
يخيل إلي أنه خرج من كل العصور مزيجاً
تاريخياً يحمل وجهه معاناة الشعب المصري
منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا فهو يضحك
ويُضحك كل من حوله بقفشات تجعل
السامعين من الإنس والجان يتطوحون
وينبطحون أرضاً وهم يمسكون بطونهم من
شدة الضحك رغم أن داخله مليء بالأسى
والعذاب المتراكم على مر السنين.
حافظ ابراهيم متعة لا تُمَلْ وديوانه
يزخر بأضعاف النماذج التالية لقد كان
أظرف البؤساء و(أبأس) الظرفاء.
تاجر كتب

قال حافظ ابراهيم في تاجر كتب صفيق كان كلما ذهب إليه لشراء كتاب أحس بحاجته إليه، غالى في الثمن، ورفض أن يخفض من قيمته. وكان فيه تبلّد وبرود واضحين.

أَديمُ وجهكَ يا زنديقُ لو جُعِلتْ *** مِنهُ الوقايةُ والتجليدُ للكتبِ
لم يعلُها عنكبوتٌ أينما تُركتْ *** ولا تخافُ عليها سطوةَ اللهبِ



ثوب جديد:

كان حافظ ابراهيم رغم اسمه الكبير فقيراً كأغلب الشعراء، وذات يوم اشترى ثوباً جديداًً فلاحظ أن الناس – كثيراً منهم- يتعامل معه باحترام أكبر فقال مخاطباً ثوبه الجديد:

يا ردائي جعلتني عند قومي *** فوق ما أشتهي وفوق الرجاءِ
إن قومي تروقهم جِدّةُ الثو *** بِ ولا يُعشَقُونَ غير الرِداءِ
قيمة المرءِ عندهم بين ثوبٍ *** باهر لونهُ وبين الحذاءِ



كنت ( حاقولك):

التقى أحد السائلين وكان سمجاً لحوحاً في السؤال بشاعر النيل حافظ ابراهيم فسأله أن يعطيه قرشاً فرد حافظ إبراهيم:
- والله عمرك أطول من عمري كنت حاقولك أنا كدا برضه.


الشارع ده بيروح فين؟

كان حافظ يسير مسرعاً إلى عمله في دار الكتب بالقاهرة حيث كان مديراً لها ويبدو أنه كان في عجلة من أمره فحاول أحد المارة أن يستوقفه بقوله:
- والنبي يا عم الشارع ده بيروح على فين؟
- فأجاب حافظ ابراهيم مواصلاً سيره ما بيروحش أبداً طول عمره هنا.


خروجه من بيت خاله:

كان حافظ ابراهيم بعد وفاة والده يعيش مع خاله ويبدو أنه لاحظ ضيق خاله به من سوء معاملته إياه فضاق به حافظ أيضاً وغادر البيت بعد أن ترك له ورقة كتب فيها هذين البيتين:

ثَقُلَتْ عليك مؤونتي *** إني أراها واهِيَهْ
فافرح فإني ذاهبٌ *** متَوَجَة في داهيهْ



بنو الكرام:

ولم يكن الفقر حالة خاصة بل إن عصر حافظ ابراهيم الذي عاش فيه ذلك الملك وبطانته والانجليز كان فقرا عاما على معظم المصريين فيخاطبهم حافظ بسخرية:

بنو مصرَ في حِمى النيل صَرعى *** يرقبونَ القضاءَ عاماً فعَامَا
أيها النيل كيف نُمسي عطاشا *** في بلاد رُويت فيها الأناما
يَرُدُّ الواغلُ الغريب فتُروى *** وبنو الكرام تَشكوا الأواما
وقد شقِينا ونحن كَرّمَنَا اللــ *** ــهُ بِعَصْرٍ يُكرمُ الأنعاما



ضعف نظر:

كان حافظ ابراهيم جالساً في حديقة داره بحلوان ودخل عليه عبد العزيز البشري وبادره قائلاً: لقد رأيتك من بعيد فتصورتك واحدة ست، فرد حافظ على الفور: والله يظهر نظرنا ضعف... أنا كمان شفتك من بعيد افتكرتك راجل.


تعزية في ديوك المراغي:

كان الشيخ المراغي قد اشترى خمسة ديوك رومي، ولم يكد الصباح يطلع عليها حتى ماتت. فأرسل حافظ ابراهيم إلى الشيخ المراغي كتاب تعزية قال فيه:

رحمَ الله خمسةً من ديوك
للمراغي قد عولجت بالفناءِ
فلو أن الأستاذ خُيِّرَ فيها
بين موتٍ لها وبين فداءِ
لافتداها بخمسةٍ من شيوخ
من أساطين هيئة العلماء



الدور عليك

لما توفى الشيخ محمد عبده وقف على قبره يوم تأبينه ستة من الخطباء هم على الترتيب الشيخ أبو خطوة –عاصم باشا- حسن عبد الرزاق باشا- قاسم أمين- حفني ناصيف- حافظ إبراهيم.
وقد مات الأربعة الأولون واحداً إثر سابقه وعلى نفس الترتيب وجاء الدور على حفني ناصيف وكان قد بعث إلى حافظ أبياتاً يُذكّره فيها بالموت ويدعوه إلى الإستعداد له إذا نزلت به المنيّة.
وقد تذكر حافظ الحادثة السابقة فرأى أن ينبه إليها ذهن المحتفى به فراح يقول له:

أخشى عليك المنايا *** حتى كأنك منّي
إذا شكوت صداعاً *** أطلت تسهيد جفني
وإن عَراكَ هُزال *** هيّأتُ لحدي وقطني
وإن دعوت لِحَيِّ *** يوماً فإياك أعني
عمري بعمرك رهنٌ *** فعِشْ أعِشْ ألف قَرنِ



الشعر ثمن التذكرة:

كان إحدى الحفلات تعرض في مسرح الأزبكية بالقاهرة وأراد حافظ ابراهيم والشيخ عبد العزيز البشري رؤيتها وهما علمان في ذاك الوقت فحافظ شاعر النيل والبشري صحافي مشهور يملكان كل شيء إلا المال وحاولا الإعتماد على شهرتيهما في الدخول إلى المسرح ولكن العامل المختص بأخذ التذاكر منعهما من الدخول ولم يشفع لهما بالطبع إسميهما ولا شهرتهما لأن العامل لا يعرف القراءة ولا يعنيه من هما وأثناء النقاش حضر متعهد الحفلة وكان يعرف حافظ ابراهيم لكنه تمسك هو الآخر بثمن التذكرة لكنه لم يطلبه مالاً بل شعراً، فسكت حافظ ابراهيم برهة ثم قال مضطرا حتى يشاهد الحفل:

رياض الأزبكية قد تجلت *** بأنجابٍ كرامٍ أنت منهم
فهبها جنه فتحت لخيرٍ *** وأدخلنا مع المعفو عنهم


وربما طالب الشيخ البشري بثمن البيت الثاني بعد الخروج من الحفلة.


غلب الشوق عليها:

جلس حافظ ابراهيم وأحمد شوقي وأمين تقي وولي الدين يكن ومي زيادة في أحد مطاعم القاهرة صباحاً يتناولون طعام الإفطار وأمام كل منهم كاس شرابه وأثناء تناول الشراب خطفت مي زيادة كأس حافظ إبراهيم تداعبه فقال على الفور:

خطفت كأس مدامي *** لن تبقي لي شيّا

فرد عليه أمين تقي مُجيزاً
غلب السكر عليها *** غلبَ الشوق عليّ



إهنأ بما نلت من فضلٍ:

وُليّ السيد محمد الببلاوي نقابة الأشراف سنة 1920 وذهب حافظ براهيم لزيارته بحكم صداقتهما وزمالتهما في دار الكتب، لكن المنصب الجديد كانت له أبهته ما فيه من حراس وأبواب موصدة وضرورة وجود موعد مسبق للقاء وبالتالي لم يستطع حافظ ابراهيم مقابلته فعاد من حيث أتى وترك له مع الحارس هذه الأبيات:

قل للنقيب لقد زرنا فضيلته *** فذادنا عنه حراس وحُجّاب
لقد كان بابك مفتوحاً لقاصده *** واليوم أوصد دونك الباب
فلا ذكرت "بدار الكتب" صحبتنا *** إذ نحن رغم صروف الدهر أحباب
لو أنني جئت "للبابا" لأكرمني *** وكان يكرمني لو جئته "الباب"
لا تخش جائزة قد جئت أطلبها *** إني شريف وللأشراف أحساب
فاهنأ بما نلت من فضل وإن قُطعت *** بيني وبينك بعد اليوم أسبابُ



تفسير رؤيا:

كان الدكتور محجوب ثابت وحافظ ابراهيم في ضيافة سعد زغلول واتفق أن روى الدكتور محجوب حلماً رآه في النوم بقوله: رأيتني راكباً جملاً كبيراً.. ومن خلفي عدد كبير من الحمير ثم جاءني رجل ومعه رسالة من كبير فسلمني ياها فنظر سعد زغلول إلى حافظ ابراهيم وقال له: فسَِر يا حافظ. فقال حافظ: أما الجمل.. فهو كرسي النيابة، وأما الرسالة فهي تكليف من أولي الأمر لمحجوب لتولي وزارة الصحة، وأما الحمير.. فهم أولئك الذين انتخبوك نائباً.


إصفح فأنت خليق:

أقام أمير الشعراء أحمد شوقي حفل زفاف لابنته في كرمة بن هانئ وكان قد أرسل دعوة لحافظ إبراهيم لحضور حفل الزفاف لكن المرض حال بينه وبين الحضور فبعث له بهذه معتذراً:

يا سيدي وإمامي *** ويا أديب الزمان
قد عاقني سوء حظي *** عن حفلة المهرجان
وكنت أول ساعٍ *** إلى رحاب "ابن هاني"
لكن مرضت لنحسي *** في يوم ذاك القران
وقد كفاني عقاباً *** ما كان من حرماني
حُرِمْتُ رؤية "شوقي" *** ولثم تلك البنان
فاصفح فأنت خليقٌ *** بالصفح عن كل جانِ
وعش لعرش المعاني *** ودُم لتاج البيان
إن فاتني أن أوفي *** بالأمس حق التهاني
فالله يقبل منا *** الصلاة بعد الأذان


 
 توقيع : نبضة قلب



ستظل في قلوبنا ياناصر كلما قرأناكَ حرفاً

الله يرحمك ويغفر لك


رد مع اقتباس
قديم 11-20-2011, 12:33 AM   #114
نبضة قلب
تفاصيل مختلفة



الصورة الرمزية نبضة قلب
نبضة قلب متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 379
 تاريخ التسجيل :  Jun 2011
 المشاركات : 17,783 [ + ]
 التقييم :  2147483647
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Black
شكراً: 1,173
تم شكره 296 مرة في 226 مشاركة

مشاهدة أوسمتي

افتراضي طرائف الأدباء ..





إذ أنه مينفعش تيجي سيرة ( الأطلال ) ومتجيش سيرة الست أم كلثوم ولأنها بشهادة الثقات دمها خفيف ولأنهم جمعوا لها بعض نوادرها ( أتطفل - كنوع من التنشيط يعني ) في هذه الصفحة وأضع بعضها .

مولد بقى .

*أثناء سفرهما معا في القطار..أخرج الموسيقار محمد القصبجي قلما اسود وأخذ يصبغ شاربه.
تأملته أم كلثوم وقالت: شوفوا الراجل رجع شباب بجرة قلم.

* بدأت تعرِّف الحاضرين بعضهم على بعض..وعندما وصلت إلى جار لها كان من الحاضرين
قالت : وهذا جار سومة
سومة هو لقب دلال لفاطمة إبراهيم ... أم كلثوم

* بينما كانت تغني أم كلثوم.. طرب الجميع كالعادة.. وبدؤوا بالغناء..وقال أحد المعجبين... وكان أصلع..أنا أحطك على راسي..
فردت عليه : وبعدين لما أتزحلق...

*عندما كانت أم كلثوم في ميدان السباق .. فتحت حقيبة يدها.. فأطل فيها أحد المعجبين..وكان قصير القامة.. نظرت إليه أم كلثوم وقالت : إنته حَترجع.. وإلا أقفل عليك الشنطة..

* كانت أم كلثوم تتحدّث مع صديق لها من المؤلفين..
سألته عن ثمن النسخة من مؤلفه الجديد...
فأجاب مداعبا.. ثمن النسخة ثلاثة جنيهات..
فكالت له الصاع صاعين بقولها... ليه هي النسخة بتنباع مع المؤلف
وطبعا سومة لا تذكر إلا ورامي كمان . مش حلوة يعني يكتب لها نص أغانيها ومنعديش عليه ..
(رامي يعني أحمد رامي )



* كان يسكن بجوار رامي أحد المحبين للشعر ولكنه لم يكن يهتم بالعروض والبحور والقوافي والاوزان وكان في كل مرة يعود منها رامي مرهقا من عمله, يحل به هذا الجار ليقرأ عليه ما يكون من نظمه. فيقول له رامي: مكسور يا استاذ. وثاني مرة يقول: مدشدش يا حبيبي. وثالثة يقول له: مدغدغ يا أخ.
وفي آخر المطاف صرخ المتشاعر وهو يقول لرامي:
انته متقصدني! ده ظلم! دي مش معاملة!.. مش طريقه دي!.. فقال له رامي وهو محتد ايضا: شوف يا أخ, احنا عندنا هنا بنوزن كده, وان ما كانش عاجبك, روح إوزن بره..


* كان لنا صديق يحضر مجلسنا ويسمعنا ونحن نتطارح ما يكون كل منا قد نظمه.
فيقول: يا جماعة دي حاجة عجيبة أوي. كل اللي أنتم بتقولوه خطرت على بالي معانيه وكثير من ألفاظه واشاراته يبقى إيه ده يا رامي, توارد خواطر ولا مناجاة أرواح؟!
فأجابه رامي: لا أبداً, تقدر تقول ان احنا شعراء بقافية, وانت شاعر بلا قافية..


* ذات مساء سهر رامي مع اصدقاء له في صدر الشباب في فرح امتد سهرهم به حتى ساعة متأخرة. وكان معهم صديق من سلالة اسرة ثرية, ولكنه كان متلافا فأضاع كل ما ورث وبقي من أملاك العائلة بيت كبير في الحلمية من بيوت الوقف, فعرض على اصدقائه ان يناموا عنده فلا مواصلات الان, ولا قدرة لهم على السير الطويل. فوافقوه ودبّر لهم أماكن للمبيت وكانوا خمسة. وكانوا يحسّون بالبرد, لان صاحب الدار كان كلما احتاج, عمد الى ضلفة باب او شباك او زجاج نافذة او أكرة أو مسند سلم وخلعها وراح يبيعها, حتى كاد البيت يخلو من الأثاث, وراح صاحب الدار يفكر قبل النوم في كيفية افطارهم بعد ان دبّر نومهم..
وعندما اصبح الصباح شم النائمون روائح بيض مقلي وبسطرمة وفول وزبد, ولم يصدقوا, حتى ان احدهم ظن انهم يحلمون لعلمهم برقة حال الداعي.. وقاموا جميعا ليفاجأوا بسماط ممدود حوى كل ما كانوا ينسمون رائحته.
وبعد شرب الشاي والقهوة, أرادوا ان ينصرفوا, وبحثوا عن احذيتهم فلم يجدوها, فسألوا صاحب الدار عنها, فراح يضحك ضحكا متواصلا وهو يقول: ما أكلتوها وكان اللي كان..

* قال رامي: كنت في صدر الشباب, اغادر داري بعد الغروب, وأعود اليها قبل الشروق. وكنت الاحظ كلما هممت بالانعطاف من الحارة التي أسكن احد منازلها, ان رأسا صغيرا يطل وهو يلتف بغلالة بيضاء ناصعة من وراء مشربية من مشربيات بيوتنا القديمة وظننت ـ والشباب كثير الظنون والخيلاء ـ انها تنتظرني لتراني, والليل ستّار يلف العشاق بحجب, ويحميهم من أنظار دخيلة. وقد أكبرت في هذه العاشقة دأبها على انتظاري في نفس موعد خروجي, وعند عودتي لتطمئن عليّ في رجوعي..
ولم تكن نفسي, ولا التقاليد, تسمحان لي حتى برفع النظر الى أبعد مما يحميني من مزالق الطريق, ولا ينبغي لي, وهي من أهل حيي ان ارجوها حتى في منامي. وكأني كنت أقول مع من قال: واني لا استحييك حتى كأنما/ /عليّ بظهر الغيب منك رقيبُ
ورحت انظم فيها شعراً يحوي ويضم المعاني التي تثيرها مشقة النوى وحنين الوجد واكبار الوفاء,وانطوي على وجدي وسهدي, وذات يوم خرجت من داري قبل الغروب, واذ بعيني تفلت مني, وترمق حبيبة خيالي, ومهوى حنيني ألعفّ, وحناني المشفق, لأكتشف انها ((قُلة - جرّة) تلتف في شاش ابيض رقيق مبتل, ليتبرد الماء بهذه الوسيلة.. وفقدت ليلاي, وأفقت من حلم جميل..




 
 توقيع : نبضة قلب



ستظل في قلوبنا ياناصر كلما قرأناكَ حرفاً

الله يرحمك ويغفر لك


رد مع اقتباس
قديم 11-20-2011, 12:35 AM   #115
نبضة قلب
تفاصيل مختلفة



الصورة الرمزية نبضة قلب
نبضة قلب متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 379
 تاريخ التسجيل :  Jun 2011
 المشاركات : 17,783 [ + ]
 التقييم :  2147483647
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Black
شكراً: 1,173
تم شكره 296 مرة في 226 مشاركة

مشاهدة أوسمتي

افتراضي طرائف الأدباء ..



بيرم التونسي


ولد محمود بن محمد بن مصطفى بيرم التونسي بالإسكندرية وكان جده مصطفى أول من نزح إلى الديار المصرية من تونس وتعلم محمود في مسجد بالإسكندرية ثم افتتح دكان بقالة واستهوته القراءة والكتابة حتى أخذت عقله وقرر أن يقفل الدكان – بالضبة والمفتاح – وبالفعل (جاب دُرَفُه) وأصدر نشرة بإسم (المسلة) فصادرتها الحكومة في عددها الثالث عشر

وحين ولد فاروق ابن السلطان فؤاد سنة 1920 تهامس المصريون بأنه ولد بعد أربعة أشهر من زفاف أمه نازلي إلى أبيه فكتب عمنا بيرم زجلاً بعنوان (القرع الملوكي والبامية السلطاني) كله تعريض بالموضوع وهاج القصر ولولا أنه كان لا يزال تونسي التابعية في حماية (الحماية) كانت "وقعته سوداء".

ولم يتعظ بيرم مما حدث أو يأبه بهياج القصر بل أصدر نشرة أخرى أسماها (الخازوق) وصودر العدد الأول وشكته الحكومة المصرية إلى المندوب السامي البريطاني والسفير الفرنسي ونفاه الثاني إلى باريس التي ظل بها حتى عام 1932 م عانى في تلك الأعوام الأمرين وعمل في كل المهن الحقيرة وغير الحقيرة حتى دخل القاهرة متسللاً وبعد استعطاف الحكومة المصرية سمح له بالإقامة مرة أخرى وبقي في مصر حتى توفي بالإسكندرية تاركاً وراءه رصيداً هائلاً من الأزجال والمقامات التي عبر فيها بلسان الشارع وحسه عن آلامه وأحلامه وسخرياته.

عمنا بيرم حاجة كبيرة جدا أكبر من
التعريف والتأليف حول شخصه أو فنه
العظيم. دخل بأزجاله كل بيت في مصر كان
مصراوي ابن بلد من (ساسه لراسه). فقد
كانت أزجاله تدك حصون ومخادع الملك
والانجليز والفساد وتُضحك عليهم طوب
الأرض حتى نفوه وتشرد وجاع وصاع
لكن طلاقة لسانه كانت كما هي بل أشد
ولم يُبْعده النفي عن مصر وكانت أزجاله
تفيض مرحاً وعذوبة والنماذج التالية
ليست كل طرائف عمنا بيرم بل جزء
بسيط مما تيسّر وعلى القارئ الرجوع
والاستمتاع من مصادره الرئيسية.

أهل الكلوب:

بخفة دمه وروعة أسلوبه يعارض قصيدة ابن الفارض التي يقول فيها:

أنتم فُرُوضي ونَفْلي *** أنتم حديثي وشغلي


فيقول:

أهل الكُلُوبِّ ومالي *** عن الكلوبِّ تخلي
قضيتَ فيها حياتي *** على سبيل التسلّي
الناس تلعب يوماً*** وكان لعبي تملّي
كفى بجسمي دليلاً *** وشَعْري المُتدلي
وبدله ليس فيها *** من النضافة مِلّلي
وجزمه بنتِ كلبٍ *** منها ترى الناسُ رجلي
والأكل خبزٌ وفجلٌ *** لا... بل ومن غير فجلِ




حاميها حراميها:

ويعارض قصيدة الشريف الرضي التي يقول فيها:

منابتُ العشبِ لا حامٍ ولاراعِ *** مضت الرَّدَى بطويل الرُّمحِ والبَاعِ


فيقول:

حطّوا الخفير على الدكان يحرسه *** فباعَهُ جُملةً لا بيعَ قطاعي
جاء الحرامي له ليلاً وفاوله *** على الذي فيه من مالٍ وأبضاعِ
والصبح جاء إلى الدكان صاحبه*** فلم يجد غيه غير السقف والقاعِ
قال المعاون شغلٌ ليسَ نعرفهُ *** فاللص لا يسرق المستيقظ الواعي




روسيا:

ويقول بيرم مخاطباً الشعب الروسي:

ياللي صَبَحتم غَنَم (ستالين) راعيها *** إرعوا اللي بُطرُسكم الأكبر زرع فيها
شمْتان في قلة مقامكم نُصّكم جرابيع *** والنص ف أوربا داير يِشْتِغِل ويبيع




الشرق:

مِن قبل ما اكتب أنا عارف *** القُولْ ضَايعْ
والآجر بالتأكيد ذاهبْ *** حسب الشايع
والشَّتْم حايجيني مسُوجَرْ *** من واد صَايع
مهما إنْكويت النار والزيت *** برضاك فنّان
يا مصري وإنت اللي هَامِمْني *** من دونِ الكلْ
هَزيل ويحسبَك الجاهل *** عَيّان بالسُّل
من دي الكُيُوف إللي تصبّر *** على كُتْر الذُّل
ونمتَ والعالم فايق *** قوم بُص وطُل
شُوف الشعوب وانغص ودوب *** وراجع إنسان

واللي آلمني وبكاني *** إنت يا شامي
عالأكل نازل طول عمرك *** بارد حامي
وقلت لي لما نهيتك: *** مصري حرامي
لحد ما الجزار خلا *** جرحك دامي
والله الخروف سايب مَعْلوف *** ما يفوته جعان




حاتجنن:

سافر عمنا بيرم إلى باريس ولندن وبلاد كثيرة حين نُفي من مصر أو طرد لمواقفه الوطنية المشرفة فرأى شيئاً مختلفاً طيّر عقله فقال:

حاتجنْ يا ريت يا خوانّا مارُحتش لندن ولا باريز
دي بلاد تمدين ونضافه وذوق ولطافه وحاجة تغيظ
مالاقيش جدع متعافي وحافي وماشي يقشر خصْ
ولا شَحْط مِشَمْرَخْ أفندي معاه عُودْ خلّفُه ونازل مصْ
ولا لِبْ أسمر وسوداني وحُمّص وانزل يا تِقزقيزْ
حاتجنْ يا ريت يا خوانّا مارُحتش لندن ولا باريز
ولا واحدة ف وش الفجر تبرطع ماليه الدنيا صوات
قال ايه جُوز خالتي أم أحمد سلفة أخوها السيد مات
سبحانك ما أعظم شأنك والله الموت دا مفيد ولذيذ
حاتجنْ يا ريت يا خوانّا مارُحتش لندن ولا باريز
ولا واحد طالع يجري وواحد تاني بيجري وراه
ويقول هاهّعْ حصّلتك يا ابن اللي أبصر ايه عملاه
لا الشارع غيط يا اخوانا ولا احنا بداره ولا احنا معيز
حاتجنْ يا ريت يا خوانّا مارُحتش لندن ولا باريز




المقامة الهانميّة:

عمنا بيرم متعة ما بعدها متعة، قفشاته الشعرية والزجلية فيها خطورة شديدة على من تنتابهم نوبات القلب والخطورة ليست عليهم فقط بل على الأصحاء الأشداء أيضاً، فمهما كان الرجل "جامد" وفتوه فلن تنفعه "فتوته" إذا ضبطت معه هذه المقامة مثلا ولا أدري ماذا فعلت معه السيدة زوجته بعد أن قرأتها ولا أدري ماذا سيحدث لي أيضاً بعد اختياري لها وضمها إلى الكتاب "اللهم اجعل كلامنا خفيف عليهن". يقول عمنا بيرم دون أدنى مسؤولية علينا:

أراحني الله منها *** من قبل وقت مماتي
بحق أحمد طه *** من جاء بالمعجزات
لأنها ذات وجه *** قد باء بالسيئات
صدغ طويل عميق *** كأصدغ الناهقات
وعينها فوق منه *** منفوخة كالدواة
وجبهة ذا نقشٍ *** كقصعة السلحفاة
ومالها غير ضرس *** في شدقها كالحصاة
وليتها فوق هذا *** كانت من الصالحات
لم ألقها في نهارٍ *** إلا من الشاكيات
تقول قد مال بختي *** من دون كل البنات
قد زوجوني بشيخ *** لا يعرف الواجبات
وليس يدري مقامي *** وليس يقدر ذاتي
الله يعلم أني *** منكّدّ في حياتي
وقد دعوت مراراً *** عقيب كل صلاة
وقد قرأت كثيراً *** أعوذ والنازعات
لعلها عن قريب *** تكون في الهالكات
فلم يُزِدْها دعائي *** في البيت غير ثبات


 
 توقيع : نبضة قلب



ستظل في قلوبنا ياناصر كلما قرأناكَ حرفاً

الله يرحمك ويغفر لك


رد مع اقتباس
قديم 11-20-2011, 12:37 AM   #116
نبضة قلب
تفاصيل مختلفة



الصورة الرمزية نبضة قلب
نبضة قلب متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 379
 تاريخ التسجيل :  Jun 2011
 المشاركات : 17,783 [ + ]
 التقييم :  2147483647
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Black
شكراً: 1,173
تم شكره 296 مرة في 226 مشاركة

مشاهدة أوسمتي

افتراضي طرائف الأدباء ..



إمام العبد
1860 – 1911 م

من ميزة الظرفاء أنهم لا يكفون عن التندر
حتى على أنفسهم وقد كان إمام العبد أحد
هؤلاء الظرفاء الذين يتندرون على غيرهم
وعلى أنفسهم وقد كان عبداً أسوداً شديد
السواد لكنه كان أبيض القلب نقي السريرة
ظريفاً.

إمام النقاش


ولد إمام العبد ما بين عامي 1860 – 1861 م لأبوين جلبا من حلب للرق ثم بيعا لإحدى الأسر التركية الكبيرة التي كانت تعيش في القاهرة وقد حفظ جزء من القرآن ثم التحق بالمدارس الابتدائية بحي الناصرية في القاهرة وكان هذا هو آخر المطاف لشاعرنا في التعليم المنتظم لكنه دأب على دراسة الأدب (من منازلهم) وثقف نفسه حتى أصبح صاحب قلم وكانت موهبته الشعرية قد صقلت فنافس كبار الشعراء والزجالين على المنصات.

لكن لون شاعرنا الأسود كان أكثر تأثيراً ولم يشفع له أدبه وثقافته للحصول على المكانة التي كان يريدها، ورغم ذلك كان يشعر بقدره رغم أن ذلك الشعور لم يدفع عنه قسوة الحياة فعاش حياة معذبة.
وقد كان إمام العبد رياضياً كبيراً مارس رياضة كرة القدم حتى أصبح كابتن مصر في هذه اللعبة عام 1900م ولكن أحداً لم يعرفه لعدم وجود التلفزيون والقنوات الفضائية وبالتالي لم تتنافس الأندية على شرائه وقد بلغ الأمر ألا يجد قوت يومه أحياناً.

ورغم كل ذلك لم يكن إمام العبد يتوقف عن الضحك والسخرية من كل شيء وبكل وسيلة حتى من نفسه ولأنه كان ضحك وسخرية البائسين الذين لا يملكون غيره فقد أنشأ مجلساً للضحك أسماه "نادي البؤساء" ولعدم وجود مكان فقد جعل مقره أسفل شجرة كبيرة في شارع خيرت بحي السيدة زينب بالقاهرة.

ولكثرة قفشاته أطلق عليه صديقه الشيخ عبد العزيز البشري (إمام القفاش) ومن الغريب أن إمام العبد الضاحك فاقت شهرته إمام العبد الشاعر والزجال رغم أنه كان بارعاً في المجالين.. لكنه الضحك راحة النفوس، وقد توفي إمام العبد عام 1911 عن عمر يناهز الخمسين عاماً.



يعرق حبراً:

جلس إمام العبد يكتب خطابا في المقهى فسقطت نقطة حبر سوداء على الأرض فقال: يا خبر إسود.. الواحد بقى يعرق كتير اليومين دول.



راكب ماشي:

كان لإمام العبد صديق عنده سيارة قديمة كان دائم الركوب فيها وانقطع عن ركوبها فترة من الزمن فلما سألوه عن السبب قال: يا عم أنا ركبتها أسبوع نعل جزمتي داب.



حد يشوفنا:

طلب منه أحد المتشاعرين أن يستمع إلى قصيدة من قصائده التافهمة فقال له العبد في همس: طب إستنى لما نروح خرابة أحسن حد يشوفنا.



الله يلحمه:

نعى إليه أحد أصدقائه وكان صاحب ورشة لحام فقال في لهجة آسفة: الله يلحمه.



أنا ليل:

سُئل إمام العبد عن سبب عدم زواجه فقال في إحدى الإجتماعات بالمدرسة التحضيرية:

يا خليلاً وأنت خيرَ خليلٍ *** لا يلمْ راهباً بغير دليل
أنا ليلٌ وكلُ حسناءُ شمسٌ *** فاجتماعي بها من المستحيل



ماسح الأحذية الثقيل:

جلس إمام العبد يوماً على المقهى يكتب زجلاً فكان كلما استجمع فكرته أزعجه لام من ماسحي الأحذية يطلب إليه تنظيف حذائه وتكررت هذه المضايقات عدة مرات حتى ضجر إمام فلم يكن أمامه إلا أن خلع حذاءه ولفه في جريدة ووضعه أمامه حتى لا يزعجه أحد ثم وضع رجليه على كرسي معرضتين للأنظار.



مش عايز سَمّيع؟

ذات يوم كان في طريقه إلى المنزل آخر الليل ولم يكن معه نقود فسمع حوذياً يتغنى وهو في مقعده من العربة وكانت تسير في إتجاه منزله فقال له:
- مش عايز سَمّيع يا أسطى ؟



الشوق أحرقني:

حتى حين يعشق إمام العبد لا يتغزل أو يشكو نيران الهوى أو بُعد الحبيب وعذره بل يسخر متندراً من نفسه وسواد لونه:

كتمت فأقصاني وبُحتُ فلامني *** فهاج غرامي بين سري وإعلاني
وما كان لوني قبل حبك أسوداً *** ولكن لهيب الشوق أحرق جسماني




إذا أعتقني العبد:

كانت مطالب إمام العبد من شاعر النيل (صديقه) لا تنتهي ولم يكن يبخل عليه سراً وعلانية ولكن روح الدعابة لا تترك الشاعرين حتى أن حافظ إبراهيم كان كلما سأله متسول في الطريق قال له:
إذا أعتقني العبد أعطيك.


 
 توقيع : نبضة قلب



ستظل في قلوبنا ياناصر كلما قرأناكَ حرفاً

الله يرحمك ويغفر لك


رد مع اقتباس
قديم 11-20-2011, 12:38 AM   #117
نبضة قلب
تفاصيل مختلفة



الصورة الرمزية نبضة قلب
نبضة قلب متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 379
 تاريخ التسجيل :  Jun 2011
 المشاركات : 17,783 [ + ]
 التقييم :  2147483647
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Black
شكراً: 1,173
تم شكره 296 مرة في 226 مشاركة

مشاهدة أوسمتي

افتراضي طرائف الأدباء ..



محمد حسين الجزار
679 هـ

محمد حسين الجزار شاعر عظيم ساخر فهم
الفُولة لكنه كان قد أدمن الصنف فلم يستطع
الإقلاع عنه، لقد كان جزاراً تجري وراءه
الكلاب بحكم المهنة لكنه أحب الأدب وأحب
أن يكون أديباً وهو بصراحة شديده – وأرجو ألا
يزعل الجزارين- خسارة في الجِزارة – ليس
تقليل من شأنها ولكن لأنه أضاف بأدبه وفنه إلى
متعتنا بأسلوبه الخاص وتميزه ما زاد من هذه
المتعة، ولكن هذا الأدب جعله هو الذي يسير
خلف الكلاب بعد أن كانت تسير خلفه وسواء
سار هو أمامها أو خلفها فنحن في غاية الأنانية
وقد استمتعنا بفنه الراقي وقفشاته الجميلة.
أخشى أن أقيم الصلاة بداري:

لعلنا إذا بدأنا من دار شاعرنا نكون أكثر إنصافاً فالفضول يدفع الكثيرين منا لمعرفة الحياة الخاصة للمشاهير عموماً ولن نحتاج في ذلك إلى سؤال المقربين منه أو العارفين له أو نحتال لزيارته في داره حتى نراها لأنه كفانا ذلك بوصفه الدقيق لها وبسخرية لا حد لها، فهو يخشى الصلاة بها حتى لا تسقط جدرانها بفعل حركات الصلاة الهادئة... ترى كيف كان يُطمئن نفسه حتى ينام فيها:

ودار خراب نزلت بها ... ولكن نزلت إلى السابعة
فلا فرق ما بين أني أكون ... بها أو أكون على القارعة
تساورها هفوات النسيم ... فتصغي بلا أذن سامعة
وأخشى بها أن أقيم الصلاة ... فتسجد حيطانها الراكعة
إذا ما قرأت "إذا زلزلت" ... خشيت بأن تقرأ "الواقعة"



النيل يحترق

احترقت يد أحدهم ويبدو أنه كان غنياً فالتف حوله المنتفعون يواسونه قائلين بأن هذه اليد التي احترقت كانت تغدق عليهم الخيرات سيلاً منهمراً و .. و .. وضاق الجزار بالنفاق فانفجر قائلاً:

قالوا قد احترقت بالنار راحته ... وهي الغمام ومنها الوابل الغدق
وقال قوم وما ضلوا وما وهموا ... بأنها النيل، قلت: النيل يحترق



مافي فمها سن:

تزوج أبوه في شيخوخته من إمرأة مُسنّة ترك عليها الدهر أثره فابيض شعرها وسقطت أسنانها وتجعد جلدها لكن يبدو أن لسانها كان في كامل حيويته وشبابه ولم تزل صلاحيته سارية بخلاف باقي أعضائها وهذا ما جعل شاعرنا يتهكم منها قائلاً يداعب أباه:

تزوج الشيخ أبي شيخة ... ليس لها عقل ولا ذهنُ
لو برزت صورتها في الدجى ... ما جسرت تبصرها الجِنُّ
كأنها في فراشها رِمّةٌ ... وشعرها من حولها قطن
وقائلٌ قال فما سِنَّها؟ ... فقلت ما في فمها سِنُّ



تعيش أنت وتبقى:

اشترى الجزار حماراً كانت سعادته به كبيرة فأبى الحمار الشقي أن يسعد الجزار فمات ولاحظ المحيطون به حزنه الشديد على حماره وتأكد هذا الحزن أكثر بعد قراءتهم لهذا الرثاء فواساه أحدهم ساخراً لما رآه ماشياً دون حماره فقال الجزار ساخراً:

كم من جهول رآني ... أمشي لأطلب رزقا
وقال لي صرت تمشي ... وكل ماشٍ ملقى
فقلت: مات حماري ... تعيش أنت وتبقى



تلقى الجزار بعد موت حماره التعازي في فقيده الغالي وكان ممن عزاه (البوصيري ) الذي قال في ذلك ساخراً:

فلا تأس يا أيها الأديب ... عليه فللموت ما يولد
إذا أنت عشت لنا بعده ... كفانا وجودك ما نفقد



وواساه شاعر آخر بقوله:

مات حمار الأديب فقلت لهم ... مضى وقد فات فينا ما فاتا
من مات في عزه استراح ومن ... خلف مثل الأديب ما ماتا



والغريب والطريف أيضا أن هذا الحمار الذي أخذ كل هذه الشهرة بعد مماته، والتي لو يدري بها لعجل بهذا الموت كان الجزار يقول عنه وهو حي ساخراً:

هذا حمار في الحمير حمار ... في كل خطو كبوة وعثار
قنطار تبن في حشاه شعيره ... وشعيره في ظهره قنطار



الخبز أكبر:

قال الجزار يصف أحد البخلاء:

لا يستطيع يرى رغـــيـ ... ــفــاً عنده في البيت يُكسر
فلو أنه صلى وحا ... شاه ، لقال: الخبز أكبر



جزار لا يعرف رائحة اللحم:

على غير العادة في أن يبقى الجزار لنفسه ألذ مافي الذبيحة فإن شاعرنا قد اقتصرت علاقته باللحم على بيعه فقط:

أصبحت لحاماً وفي البيت لا ... أعرف ما رائحة اللحم
واعتضت من فقري ومن فاقتي ... عن إلتذاذ الطعام بالهم
جهلته فقراً فكنت الذي ... أضله الله على علم



كأنني في جزارتي كلبي:

أعمل في اللحم للعشاء ولا ... أنال منه العشا فما ذنبي
خلا فؤادي وفي فمي وسخٌ ... كأنني في جزارتي كلبي



بالشعر رجوت الكلاب:

أما عن السبب الذي جعله هكذا في حال من الفقر والعوز فهو الشعر ، ولهذا قال رغم آلامه مفضلاً الجزارة على الشعر:

كيف لا أشكر الجزارة ما عشــ ... ــت حفاظاً وأرفض الآدابا
وبها صارت الكلاب ترجيني ... وبالشعر كنت أرجو الكلابا



رجوت فضل الكلاب:

لا تعِبْني بصنعة القصاب ... فهي أذكى من صنعة الآداب
كان فضلي على الكلاب فمنــ ... ــذ صرت أديباً رجوت فضل الكلاب



الجزار والشتاء:

يأتي الشتاء على شاعرنا الظريف وهو لا يملك ما يدفع عنه جيوش برده وأقصى ما يتمنى فيه هو ثوب – مجرد ثوب – يجميه من شدة البرد وغيره يلقاه بالفراء وغيره من الألبسة:

ولذا يصرخ قائلاً:

أتلقى الشتا بجلدي وغيري ... يتلقاه بالفرا السنجابي
وأود المشاق والقطن والصوف ... وغيري لم يرض بالعتابي
ونهار الشتاء أطول عندي ... من نهار الصيام في شهر آب
لو يراني عند الغدو عدوي ... لرثى لي ورق مما يرى بي
إذ يرى سائر المفاصل مني ... راقصات إذ صفقت أنيابي



يا ليتني ما كنت جزاراً:

يضيق الجزار من الشعر والجزارة ويتمنى لو لم يكن قد ابتلى بهما

أصبحت في أمري ولا ... أشكو لغير الله جائر
ولكم يدركني الشتا ... ء بأمره ولكم أكاسر
واللحم يقبح أن أعو ... د لبيعه والشعر بائر
يا ليتني لا كنت جزا ... راً ولا أصبحت شاعر



الحظوظ تختلف:

ويفاضل الجزار بين الشعر والجزارة ويجد أن الجزارة أفضل ويقتنع بترك الشعر لكنه يتعاطاه وهذا هو الدليل:

حسن التأني مما يعين على ... رزق الفتى والحظوظ تختلف
والعبد من كان في جزارته ... يعرف من أين تؤكل الكتف


 
 توقيع : نبضة قلب



ستظل في قلوبنا ياناصر كلما قرأناكَ حرفاً

الله يرحمك ويغفر لك


رد مع اقتباس
قديم 11-20-2011, 12:54 AM   #118
نبضة قلب
تفاصيل مختلفة



الصورة الرمزية نبضة قلب
نبضة قلب متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 379
 تاريخ التسجيل :  Jun 2011
 المشاركات : 17,783 [ + ]
 التقييم :  2147483647
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Black
شكراً: 1,173
تم شكره 296 مرة في 226 مشاركة

مشاهدة أوسمتي

افتراضي من روائع الادب الهندي ... النظرة الأخيرة



رابندرانات طاغور



لما حانت ساعة الفراق الاليم، ادارت وجهها الجميل في رقة ووداعة لتسلمني نظرتها الاخيرة..


أين احتفظ بهذه الوديعة الثمينة في هذا العالم الفسيح المائج؟ اين ذلك المكان الذي تقف فيه عقارب الساعة ولا يعرف لقسوة الزمن معنى؟


اين هذا المكان لأحتفظ فيه بهذه النظرة الفريدة؟ اين ياحبيبتي اين؟


هل تضيع هذه النظرة في ظلمة الليل الكئيبة، تلك التي تلتهم كل شيء حتى لون سحب الخريف، كيف تحيا بين الاف النوائب التي تزحم حياتي والاحداث التي تطغى عليها؟



كيف تبقى؟ كيف تبقى بكبريائها وسموها وروعتها والآمها؟ انها تحوم حولي ذائماً متناسية كل شيء، طاغية على كل شيء، سوف انسجها في اغاني وانظمها في قوافي، سوف احفظها في فراديس الجنان.


ان عظمة التيجان وثروة الاغنياء لن تعيش لن المس تاج الملك ولاجواهر الاغنياء غير ان ضالتي المنشودة وكنزي الثمين هو هذه النظرة العابرة فامنحيني هذه النظرة ياحبيبتي اعطينها، فيها استطيع ان انظم اكليلآ للأبدية .ٍ


 
 توقيع : نبضة قلب



ستظل في قلوبنا ياناصر كلما قرأناكَ حرفاً

الله يرحمك ويغفر لك


رد مع اقتباس
قديم 11-20-2011, 01:19 AM   #119
نبضة قلب
تفاصيل مختلفة



الصورة الرمزية نبضة قلب
نبضة قلب متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 379
 تاريخ التسجيل :  Jun 2011
 المشاركات : 17,783 [ + ]
 التقييم :  2147483647
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Black
شكراً: 1,173
تم شكره 296 مرة في 226 مشاركة

مشاهدة أوسمتي

افتراضي أدب الهند ..



إن الحياة الأدبية في الهند حياة غزيرة ومتعددة ومختلفة كثيرا عن أي حضارة أخرى ، فطبيعة الهند المترامية الأطراف ، المتسعة للعديد من الديانات والعقائد واللغات ، والطبيعة الجغرافية المتباينة ، كل هذا وما له من تأثيرات ، أدى إلى إفراز أدب ذو طبيعة خاصة.


لغات الهند :





كما أن الفلسفة وكثيراً من الأدب في أوربا الوسيطة كانا يكتبان بلغة ميتة لا يفهمها الشعب ، فكذلك كانت الفلسفة والأدب الكلاسيكي في الهند يكتبان بلغة سنسكريتية كانت قد أهملت بين الناس كأداة للتفاهم منذ زمن طويل ، لكنها عاشت لتكون لغة للعلماء الذين لا تربطهم لغة مشتركة أخرى ، كأنها في ذلك لغة "إسبرنتو" (التي يحاولون صناعتها لتكون أداة تفاهم بين الشعوب المختلفة الآن). ولما كانت هذه اللغة الأدبية بعيدة عن الإتصال بحياة الأمة ؛ فقد أصبحت نموذجاً يحتذيه من أراد أن يكون إسكولائيَّ التفكير أو مهذب اللسان ؛ وكانت الكلمات الجديدة تصاغ - لا بخلق تلقائي يصدر من عامة الناس - بل تبعاً لحاجة المدارس في بحوثها الفنية ؛ حتى إنتهى الأمر بالسنسكريتية التي كتبت بها الفلسفة إلى فقدانها للبساطة القوية التي تلمسها في الترانيم الفيدية ، وأصبحت أفعواناً صناعياً تزحف كلماتها على الصفحات زحفاً كأنها شرائط الدود.

ولكن عامة الناس في الوقت نفسه كانوا - في شمال الهند حول القرن الخامس قبل الميلاد - قد حوروا السنسكريتية إلى البراكريتية ، وما أشبه ذلك بإيطاليا حين غيرت اللاتينية إلى الإيطالية فأصبحت اللغة البراكريتية حيناً من الدهر لغة البوذية والجانتية ، ولبثت كذلك حتى تطورت بدورها إلى البالية - وهي اللغة التي كتب بها أقدم ما هبط إلينا من الأدب البوذي ؛ فلما أن كان ختام القرن العاشر من تاريخنا المسيحي ، كان قد تولد عن هذه اللغات التي شهدتها "الهند الوسيطة" لهجات مختلفة كان أهمها اللغة "الهندية" ثم ولّدت هذه بدورها في القرن الثاني عشر اللغة الهندستانية التي باتت لغة النصف الشمالي من الهند ؛ وأخيراً جاء الغزاة المسلمون وملئوا الهندستانية بألفاظ فارسية فكوّنوا بذلك لهجة جديدة هي الأردية ؛ وهذه كلها لغات "هندية جرمانية" إنحصرت في الهندستان ؛ أما الدكن فقد إحتفظت بلغتها الدرافيدية القديمة وهي: لغات "تامِلْ" و"تلوجو" و"كاناريس" و"وملايالام" وأصبحت لغة "تامِل" من بينها هي الأداة الأدبية الرئيسية في الجنوب ؛ ولما كان القرن التاسع عشر حلّت الباليّة محل السنسكريتية لغة أدبية في البنغال ، وكان الكاتب القصصي ("شاترجي" لهذه اللغة بمثابة "بوكاتشو" للإيطالية الحديثة) كما كان لها الشاعر طاغور بمثابة "بترارك" ؛ وإنك لترى مائة لغة في الهند حتى في يومنا هذا على أن أدب الحركة الإستقلالية يستخدم لغة الفاتحين أداة للتعبير. ولقد أخذت الهند منذ تاريخ عريق في القدم تتعقب جذور الألفاظ وتاريخها وعلاقاتها وتركيبها ، ولم يظللها القرن الرابع قبل الميلاد حتى كانت قد إصطنعت لنفسها علم النحو ، وأنجبت من يجوز أن يكون أعظم النحاة جميعاً ممن نعرف وهو بانيني ؛ وكانت دراسات بانيني ، و باتايخالي (حوالي 150 م) و بهارْتريهاري (حوالي 650م) هي الأسس التي قام عليها علم اللغات ؛ كما أن هذا العلم الشائق الذي يبحث في ولادة الألفاظ اللغوية ، مدين بكل حياته تقريباً في العصور الحديثة لإعادة كشف الغطاء عن السنسكريتية. ولم تكن الكتابة - كما رأينا - شائعة في الهند الفيدية ، فحوالي القرن الخامس قبل الميلاد ، أقتبست الكتابة الخاروسثية من أصول سامية ، وبدأنا نسمع عن كاتبين في أدب الملاحم وفي الأدب البوذي ، وكانت أوراق النخيل ولحاء الشجر يستخدمان أداة للكتابة كما كان القلم شبيه بمسمار من الحديد ؛ وكانوا يدبغون لحاء الشجر دبغاً يجعله أصلب ديباجه ، ثم يحفرون عليه الأحرف بالقلم ، ويلطخون اللحاء بالحبر فيبقى في فجوات الحروف المحفورة ثم تمحى بقيته.

ولما جاء المسلمون أدخلوا معهم الورق (حوالي 1000م) لكن الورق لم يحل محل اللحاء تماماً إلا في القرن السابع عشر ، وكانوا ينفذون خيطاً سميكاً في صفحات اللحاء لتربطها معاً على الترتيب المطلوب ، على أن تجمع الكتب المكونة من أمثال هذه الصفحات في مكتبات أطلق الهنود عليها إسم "خزائن إلهة الكلام" وقد بقيت لنا مجموعات ضخمة من هذا الأدب الخشبي على الرغم مما تعاورها من تدميرات الزمن والحروب.




التعليم :



لبثت الكتابة ضئيلة القدر جداً في التعليم الهندي حتى القرن التاسع عشر ويجوز أن يكون مرجع ذلك إلى أن الكهنة لم يكن في صالحهم أن يجعلوا النصوص المقدسة أو الاسكولائية سرًّا مكشوفاً للجميع ؛ أما التعليم فقد كان له نظام قائم تراه في تاريخهم مهما أوغلت في ماضيه ، وكان يتولاه رجال الدين ويفسحون مجاله في أول الأمر لأبناء البراهمة وحدهم ، ثم أخذوا على مرّ الزمن يوسّعون من نطاقه بحيث يشمل طبقة بعد طبقة ، حتى نراه اليوم لا يستثني من الناس أحداً فيما عدا طبقة المنبوذين ؛ ولكل قرية هندية معلمها يُنْفَق عليه من الرصيد العام وكان في البنغال وحدها - قبل مجيء البريطانيين - حوالي ثمانين ألفاً من المدارس الأهلية - مدرسة لكل أربعمائة نفس من السكان. وربما كانت نسبة التعليم في ظل "أشوكا" أعلى منه اليوم في الهند. كان الأطفال يذهبون إلى مدرسة القرية من سبتمبر إلى فبراير ، ويدخلونها في سن الخامسة ليتمُّوها في سن الثامنة.

وكان التعليم ذا صبغة دينية غالبة كائناً ما كان موضوع الدراسة ، وكانت الطريقة المألوفة هي الحفظ على ظهر القلب ، ولم يكن لأحد مفرٌّ من حفظ نصوص الفيدات ، ويشتمل منهج التعليم على القراءة والكتابة والحساب ، لكنها لم تكن الهدف الأساسي للتعليم ؛ وكان الخلق أجدر عندهم بالإعتبار من الذكاء ، والنظام هو جوهر التعليم في المدارس ؛ نعم إننا لا نسمع في تاريخهم شيئاً عن ضرب التلاميذ أو ما شابه ذلك من صارم الوسائل التأديبية ، لكننا نجد أكثر إهتمامهم منصباً قبل كل شئ على تكوين عادات للسلوك في الحياة بحيث تكون سليمة من المآخذ والشوائب ، وفي سن الثامنة ينتقل التلميذ إلى "شيخ" يتولاه بعناية أكثر مراعاة للقواعد ، و "الشيخ" هو معلم خاص أو رائد يعيش معه التلميذ ، ويحسن أن يظل في صحبته تلك حتى سن العشرين ؛ و كان يطلب إلى التلميذ أن يؤدي له بعض الخدمات ، منها أحياناً ما كان حقيراً ؛ كما يطالب بإلتزام العفة والتواضع والنظافة والإمتناع عن أكل اللحم في وجباته ، وقوام التعليم "الشاسْترات الخمس" أي العلوم الخمسة وهي: النحو ، والفنون والصناعات ، والطب ، والمنطق ، والفلسفة ؛ وبعدئذ يطلق في الحياة مزوداً بنصح حكيم هو أن التعليم يأتي ربعه فقط من المعلم ، وربعه من الدراسة الخاصة ، وربعه من الزملاء ، وربعه من الحياة. وللطالب في نحو السادسة عشرة أن ينتقل من "شيخ" إلى إحدى الجامعات الكبرى التي كانت مفخرة الهند القديمة والوسيطة: بنارس و تاكسيلا و فداربها و أجانتا و يوجين و نالاندا ؛ وكانت جامعة بنارس حصناً حصيناً للتعاليم البرهمية الأصيلة في أيام بوذا ، كما لا تزال كذلك إلى يومنا هذا ؛ وكانت جامعة تاكسيلا في عهد غزوة الإسكندر معروفة في آسيا كلها على أنها مقر الزعامة في البحث العلمي في الهند ، وأشهر ما إشتهرت به مدرسة الطب فيها ؛ وإحتلت جامعة "يوجين" مكانة عالية في أسماع الناس بما فيها من علماء الفلك ، كما إشتهرت جامعة أجانتا بتعليم الفنون؛ وإن واجهة أحد المباني المخربة في أجانتا لتدل بعض الدلالة على فخامة هذه الجامعات القديمة. وأنشئت جامعة "نالاندا" - وهي أشهر الجامعات بالمعاهد البوذية العالية - بعد موت منشئ العقيدة البوذية بزمن قصير وخصصت لها الدولة دخل مائة قرية لينفق عليها منه ، وكان بها عشرة آلاف طالب ، ومائة قاعة للمحاضرات ، ومكتبات ضخمة ، وست بناءات كبيرة للسكنى ، وإرتفاعها أربعة طوابق.

يقول يوان شوانج أن مراصدها "كانت تنبهم معالمها في ضباب الصباح ، وتعلو غرفاتها العليا على السحاب" ، وقد أحب هذا الحاج الصيني الكهل رهبان "نالاندا" العلماء وأحراشها الظليلة حباً جعله يقيم هناك خمسة أعوام ؛ وهو يروي لنا أن الكثرة الغالبة من أولئك الذين أرادوا الدخول في حلقات المناقشة من النزلاء الأجانب "في نالادا" كانت تنسحب أمام ما تلاقيه من صعوبة المشكلات ؛ وكان يسمح بالدخول لأولئك الذين تعمقوا العلوم القديمة والحديثة ، لكن لم ينجح من كل عشرة أكثر من إثنين أو ثلاثة ". وكان الطلاب الذين يساعدهم الحظ في الدخول يتعلمون مجاناً بما في ذلك أيضاً المسكن والغذاء ، لكنهم لقاء ذلك كانوا يخضعون لنظام أوشك أن يكون كنظام الأديرة ؛ ولم يكن الطالب يسمح له بالتحدث إلى امرأة ، أو برؤية امرأة بل إن مجرد الرغبة في النظر إلى امرأة كان يعد عندهم خطيئة كبرى ، على نحو ما جاء في العهد الجديد من قول هو أشد ما فيه من أقوال ؛ وإذا إقترف طالب إثماً جنسياً ، كان عليه أن يلبس جلد حمار مدة عام كامل ، على أن يظل الذيل مرفوعاً إلى أعلى ، وأن يجوب الآثم الطرقات ، يطلب الصدقات ويعلن عن خطيئته ؛ وكان الطلبة جميعاً يطالبون كل صباح بالإستحمام في أحواض السباحة العشرة الكبرى التابعة للجامعة ؛ ومدة الدراسة إثنا عشر عاماً ، ولو أن بعض الطلبة كان يقيم بالجامعة ثلاثين عاماً ، وبعضهم يقيم بها حتى الممات. وجاء المسلمون فهدموا الأديرة (في شمال الهند) كلها تقريباً ، بوذيّها وبرهميّها على السواء ، وأحرقت جامعة "نالاندا" إحراقاً أتى عليها سنة 1197م وقتل كل رهبانها ، وإنه ليستحيل علينا أبد الدهر أن نقدر ما كان في حياة الهند القديمة من خصوبة مسترشدين بما أبقى عليه هؤلاء المسلمون المتعصبون ؛ ومع ذلك فلم يكن هؤلاء المخربون من الهمج ، بل كان لهم ذوق في الجمال كما كان لهم براعة تشبه براعة العصر الحديث في استخدام التقوى لتحقيق ما يشاءون من نهب وسلب ؛ فلما إعتلى المغول عرش الحكم ، جاءوا معهم بمستوى عال - ولو أنه ضيق الأفق - من الثقافة ، فقد أحبوا الأدب حبهم للسيف ، وعرفوا كيف يمزجون حصاراً ظافراً بقصائد الشعر ؛ وكان التعليم عند المسلمين فردياً في أغلبه ، فيستخدم أغنياء الآباء لأبنائهم المعلمين الخواصّ ؛ وكانت نظرتهم إلى التعليم نظرة أرستقراطية تجعله شيئاً للزينة - وقليلاً ما إتخذوا التعليم وسيلة لغاية - يزدان به رجل الأعمال أو صاحب السلطان ، كما تجعله عنصراً من عناصر الثورة والخطر العام إذا ما لُقّن لرجل قضي عليه بالفقر وضعة المنزلة ؛ ويمكننا أن نتبين طرائق المعلمين من خطاب هو من رسائل التاريخ العظمى - وهو ما أجاب به أورنجزيب - وهو ملك - على معلمه السابق ، وقد طلب إليه ذلك المعلم أن يخلع عليه منصباً وراتباً: "ماذا تريد مني أيها المعلم ؟ أيمكن في حدود العقل أن تطلب مني أن أجعلك أحد كبراء الأمراء في حاشيتي؟ دعني أقلها لك قولة صريحة ، لو أنك علمتني كما كان أن ينبغي لك أن تفعل ، لما كان ثمة أعدل من مثل هذا الطلب ؛ لأنني أعتقد بأن الناشئ الذي أحسنت تربيته وتعليمه ، مدين لأستاذه على الأقل بمقدار ما هو مدين لأبيه ؛ ولكن أين عساي أن أجد مثل هذا التعليم الجيد مما لقّنتني ؛ فقد علمتني أولاً أن الفرنجة جميعاً (هكذا يسمون الأوربيين فيما يظهر) لم يكونوا إلا جزيرة صغيرة ، الله أعلم بضآلة قدرها ، وأن ملك البرتغال هو أعظم ملوكها ثم يتلوه ملك هولندا ، فملك إنجلترا ، أما عن الملوك الآخرين كملك فرنسا وملك الأندلس ، فقد صورتهم لي مثل صغار الراجات عندنا ، قائلاً لي إن ملوك الهندستان يبزونهم جميعاً ، وأنهم (ملوك الهندستان) ... هم الأعلون بين الملوك وهم غزاة العالم وحاكموه ؛ وأن ملوك فارس وأزبك وكشغر والتتر وكاني وبيجو والصين وماشينا يرتعشون خوفاً عند ذكر أسماء ملوك الهندستان ؛ ألا ما أجمل ذلك من علم بأقطار العالمين! لقد كان واجب عليك أن تعلمني علماً دقيقاً بهذه الدول كلها ، بحيث أميز بعضها من بعض ، وأفهم جيد الفهم ما هي عليه من قوة وأساليب حرب وعادات وديانات وحكومات ومصالح ؛ وكان أوجب عليك أن تطلعني على صحيح التاريخ حتى أعلم نشأة تلك الدول وتقدمها وإنهيارها ، ومن ثم كنت أعلم كيف وبأي سبب من الأحداث والأخطاء حدثت تلك التطورات الكبرى والثورات العظمى في الإمبراطوريات والممالك ؛ لقد كدت لا أعلم منك أسماء أجدادي ، بناة هذه الإمبراطورية الأعلام ، بَلْهَ أن تعلمني تاريخ حياتهم وما صنعوه حتى تم لهم مثل هذا الفتح العظيم ؛ كنت منكباً على تعليمي اللغة العربية قراءة وكتابة ؛ والحق أني شاكر لك ما سببته لي من مضيعة لوقتي في لغة تتطلب عشرة أعوام أو إثني عشر عاماً لكي يجيدها الطالب ، كأنما بن الملك يرى شرفاً له أن يكون عالماً نحوياً أو متضلعاً في القانون وأن يتعلم لغات غير لغات جيرانه ، مع أنه يستطيع أن يحيا بغيرها خير حياة ، ذلك الذي يحرص على وقته الثمين لكثير من مهام الأمور ، هذه الأمور هي التي كان ينبغي أن يتعلمها ؛ ودع عنك إبن الملك ، وقل لي أين تلك الروح التي تستعبد نفسها - بغير شئ من النفور ، بل بغير شئ من الشعور بالمهانة - في دراسة كئيبة جافة طويلة مملة ، مثل هذه الدراسة لألفاظ اللغة". ويقول "بيرْنيَر" المعاصر: "هكذا كان أورنجزيب يمقت التحذلق في التعليم الذي كان يصطنعه معلموه ؛ وبعض الدلائل في بلاطه تدل على أنه أضاف إلى قوله ذاك قولاً آخر وهو: "ألا تعلم أن الطفولة إذا أُحْكِمَ الإشراف عليها ، وهي كما نعلم حالة مصحوبة عادة بالذاكرة الجيدة ، في مستطاعها أن تتلقى آلاف المبادئ السليمة والتعاليم بحيث تنقش فيها نقشاً عميقاً ما بقي الإنسان حياً ، وتحفز عقل الإنسان دائماً إلى جليل الأعمال؟ أليس يمكن تعلم القانون والصلاة والعلوم بلغتنا القومية كما نتعلمها بالعربية؟ لقد أنبأت أبي "شاه جهان" أنك ستعلمني الفلسفة ؛ نعم إني أذكر جيداً أنك لبثت أعواماً طوالاً تسليني بمشكلات فارغة عن أشياء لا ترضي العقل في شيء على الإطلاق ، وليست هي بذات نفع في المجتمع الإنساني ، وهي أفكار خاوية ومجرد سبحات في الخيال ، وليس فيها ما يميزها سوى أنها شديدة الصعوبة على الفهم ، شديدة السهولة في النسيان. إني لا أزال أذكر أنك بعد أن أمتعتني - ولست أذكر كم طال أمد تلك المتعة - بفلسفتك الدقيقة ، كان كل ما وعيته منها طائفة كبيرة من ألفاظ حوشية معقدة ، تصلح لإيقاع الربكة والحيرة والملل في أحسن العقول ؛ ولعلها لم توجد إلا لتستر غرور أمثالك من الرجال وجهلهم ، هؤلاء الذين يحاولون إيهامنا بأنهم يعلمون كل شيء ، وأن وراء هذه الألفاظ الغامضة المبهمة تختفي أسرار عظيمة لا يستطيع فهمها سواهم ؛ فلو أنك أنضجتني بتلك الفلسفة التي تهيئ العقل للإستدلال المنطقي ، وتعدّه شيئاً فشيئاً ، الإعداد الذي يجعله لا يرضى بشيء إلا الحجج القوية ؛ لو أنك زودتني بتلك المبادئ السامية والمذاهب الرفيعة التي تعلو بالروح على نكبات الزمن ، وتركّزها في حالة نفسية لا يزعزعها شيء ولا يثيرها مثير ، وتجنّبها الغرور بالنجاح في الحياة والإنهيار أمام المحن ؛ لو أنك حرصت على أن تمدني بمعرفة أنفسنا ومعرفة المبادئ الأولى للأشياء ، وساعدتني على تكوين فكرة طيبة في عقلي عن عظمة الكون ، وعما فيه من نظام عجيب وحركة في أجزائه ؛ أقول لو أنك غرست في نفسي هذا الضرب من الفلسفة ، لرأيت نفسي مديناً لك أكثر مما كان الإسكندر مديناً لأرسطو كثرة لا تدع مجالاً للمقارنة بين الحالتين ، ولأيقنت أن من واجبي أن أعوضك على نحو يختلف عما جزاه هو به ؛ ألم يكن واجباً عليك - بدل ريائك لي - أن تعلمني شيئاً عن ذلك الموضوع البالغ الأهمية لملك ، ألا وهو الواجبات المتبادلة بين الملك وشعبه ، ماذا يجب على الملك إزاء الرعية ، وماذا يجب على الرعية إزاء الملك؟ ألم يكن ينبغي عليك أن تذكر أنني لا بد يوماً مضطر إلى إستخدام السيف في نزاعي مع أخوتي على حياتي وتاجي؟... هل عنيت قط بأن تعلمني كيف أحاصر مدينة أو أن أُجَيَّش جيشاً؟ إنني مدين بهذه الأشياء لغيرك لا لك ، اذهب وعد إلى القرية التي منها أتيت ولا تدع أحداً يعلم من أنت ، ولا ماذا صار من أمرك".


الملاحم :


لم تكن المدارس والجامعات إلا جزءاً من النظام التعليمي في الهند ؛ فلما كانت الكتابة أقل قيمة هناك منها في سائر المدنيات ، وكان التعليم الشفوي هو وسيلة الإحتفاظ بتاريخ الأمة وشعرها ، ووسيلة نشرها في الناس ، فقد نشرت الرواية الشفوية العلنية بين الناس أنفَس ما في تراثهم الثقافي من أجزاء ؛ فكما قام رواة مجهولون بين اليونان بنقل الإلياذة والأوذيسية ، وتوسيعها على مر الأجيال ، كذلك فعل الرواة والخطباء في الهند بنقل الملاحم من جيل إلى جيل ، ومن بلاط السلطان إلى عامة الشعب ، تلك الملاحم التي ركز فيها البراهمة أساطيرهم الشعبية. وفي رأي عالم هندي أن "الماهابهاراتا" هي (أعظم آية من آيات الخيال التي أنتجتها آسيا) وقال عنها سير تشارلز إليت إنها: (قصيدة أعظم من الإلياذة) ولا إرتياب في صدق هذا الحكم الأخير بمعنى من معانيه؛ بدأت الماهابهاراتا (حوالي سنة 500 ق.م) قصيدة قصصية قصيرة، لا يتجاوز طولها حداً معقول ، ثم أخذت تضيف إلى نفسها في كل قرن من القرون المتعاقبة حكايات ومقطوعات ، وإمتصت في جسمها قصيدة (بهاجافادجيتا) كما ضمت بعض أجزاء من قصة راما ، حتى بلغ طولها في نهاية الأمر 000ر107 زوج من أبيات الشعر الثمانية المقاطع - أي ما يساوي الإلياذة والأوذيسية مجتمعين سبع مرات وإسم مؤلفها أسطوري ، إذ ينسبها الرواة لمن يسمونه (فياسا) وهي كلمة معناها "المنظم" ، فقد كتبها مائة شاعر ، وصاغها ألف منشد ، ثم جاء البراهمة في عهد ملوك جوبتا (حوالي 400 م) فصبوا أفكارهم الدينية والخلقية في هذا المؤلف الذي بدأ على أيدي أفراد من طبقة الكشاترية ؛ وبهذا خلعوا على القصيدة تلك الصورة الجبارة التي نراها عليها اليوم.

لم يكن موضوع القصيدة الأساسي مقصوداً به الإرشاد الديني بمعنى الكلمة الدقيق ، لأنها تقص قصة عنف ومقامرة وحروب ، فيقدم الجزء الأول من القصيدة "شاكونتالا" الجميلة (التي أريد لها أن تكون بطلة في أشهر مسرحية هندية) وابنها القوي (بهارفا) ؛ الذي من أصلابه جاءت قبائل (بهاراتا العظيم) (أي الماهابهاراتا) وقبائل كورو وباندافا التي تتألف من حروبها الدموية سلسلة الحكاية ولو أنه كثيراً ما تخرج الحكاية عن موضوعها لتعرج على موضوعات أخرى ؛ فالملك "يوذسشيرا" - ملك البندافيين - يقامر بثروته حتى تضيع كلها ، ثم بجيشه وبمملكته وبإخوته وأخيراً بزوجته "دراوبادي" وكان في هذه المقامرة يلاعب عدواً له من قبيلة كورو ، كان يلعب بزهرات مغشوشة ، وتم الإتفاق على أن يسترد الباندافيون مملكتهم بعد إثني عشر عاماً يتحملون فيها النفي من أرض وطنهم وتمضي الإثنا عشر عاماً ، ويطالب الباندافيون أعداءهم الكوريين برد أرضهم ، لكن لا جواب ، فتعلن الحرب بين الفريقين ويضيف كل فريق إلى نفسه حلفاء حتى تشتبك الهند الشمالية كلها تقريباً في القتال وتظل الحرب ناشبة ثمانية عشر يوماً ، وتملأ من الملحمة خمسة أجزاء ، وفيها يلاقي الكوريون جميعا مناياهم ، كما يقتل معظم الباندافيين فالبطل (بهشما) وحده يقتل مائة ألف رجل في عشرة أيام ، ويروي لنا الشاعر الإحصائي أن عدد من سقط في القتال قد بلغ عدة مئات من ملايين الرجال ؛ وتسمع "جانذاري"- الملكة زوجة ملك كورو الأعمى وإسمه "ذريتا راشترا" - تسمعها وسط هذا المشهد الدامي المترع بمناظر الموت ، تصرخ جازعة عندما تبصر العقبان محومة في لهفة الشره فوق جثة ابنها الأمير "درْيوذان":

ملكة طاهرة وامرأةٌ طاهرة ، فاضلة أبداً خيِّرةٌ أبداً

هي "جانذارا" التي وقفت وسط الميدان شامخة في حزنها العميق

والميدان مليء بالجماجم ، وجدائل الشعر إنعقدت عليها الدماء ،

وقد اسود وجهه بأنهار من دم متجمد ؛

والميدان الأحمر مليء بأطراف من لا يحصيهم العد من المقاتلين...

وعواء أبناء آوي الطويل المديد يرن فوق منبطح الأشلاء

والعُقاب والغراب الأسحم يرفرفان أجنحة كريهة سوداء

وسباع الطير تملأ السماء طاعمة من دماء المحاربين

وجماعات الوحش البغيضة تمزق الأجساد الملقاة شلوا شلوا

سيق الملك الكهل في هذه الساحة، ساحة الأشلاء والموت

ونساء كورو بخطوات مرتعشة خطون وسط أكداس القتلى

فدوت في أرجاء المكان صرخات عالية من جزع

عندما رأين القتلى أبنائهن وآبائهن وأخوتهن وأزواجهن

عندما رأين ذئاب الغابة تطعم بما هيأ لها القدر من فرائس

عندما رأين جوَّابات الليل السود ساعيات في ضوء النهار

ورنت أرجاء الميدان المخيف بصرخات الألم وولولة الجزع

فخارت منهن الأقدام الضعيفة، وسقطن على الأرض

وفقد أولئك الراثيات كلَّ حسٍّ وكل حياة، إذ هن في إغماءة من حزن مشترك.

ألا إن الإغماءة الشبيهة بالموت ، التي تعقب الحزن ، فيها لحظة قصيرة من راحة للمحزون.



ثم إنبعثت من صدر "جانذاري" آهةٌ عميقة من قلب مكروب ونظرت إلى بناتها المحزونات ، وخاطبت كرِشنا قائلة:

"أنظري إلى بناتي اللائي ليس لهن عزاء ، أنظري إليهن وهن ملكاتٌ أرامل لبيت كورو.

أنظري إليهن باكيات على أعزائهن الراحلين ، كما تبكي إناث النسور ما فقدت من نسور

أنظري كيف يثير في قلوبهن حب المرأة كلُّ قَسْمة من هاتيك القسمات الباردة الذاوية

أنظري كيف يجبن بخطوات قلقة وسط أحساد المقاتلين وقد أخمدها الموت

وكيف تضم الأمهات قتلى أبنائهن إذ هم في نومهم لا يشعرون

وكيف تنثني الأرامل على أزواجهن فيبكين في حزن لا ينقطع ...

هكذا جاءت الملكة "جانذاري" لتبلّغ "كرِشْنا" حزين أفكارها؛

وعندئذ - واحسرتاه - وقع بصرها الحائر على إبنها "درْيوذان"

فأكل صدرها غمٌّ مفاجئ ، وكما زاغت حواسُّها عن مقاصدها

كأنها شجرة هزتها العاصفة ، فسقطت لا تحس الأرض التي سقطت عليها ؛

ثم صحت في أساها من جديد ، وأرسلت بصرها من جديد

إلى حيث رقد إبنها مخضباً بدمائه يلتحف السماء

وضمت عزيزها درْيوذان ، ضمته قريباً من صدرها

وإذ هي تضم جثمانه الهامد اهتز صدرها بنهنهة البكاء

وإنهمرت دموعها كأنها مطر الصيف، فغسلت به رأس النبيل

الذي لم يزل مزدانا بأكاليله ، لم يزل تكلله أزاهير المشكا ناصعة حمراء

"لقد قال لي إبني العزيز درْيوذان حين ذهب إلى القتال، قال:

"أماه ادْعي لي بالغبطة وبالنصر إذا ما اعتليت عجلة المعمعة"

فأجبت : عزيزي درْيوذان: "اللهم - يا بني - إصرف عنه الأذى

ألا إن النصر آت دائماً في ذيل الفضيلة"

ثم إنصرف بقلبه كله إلى المعركة ، ومحا بشجاعته كلَّ خطاياه

وهو الآن يسكن أقطار السماء حيث ينتصر المحارب الأمين


ولست الآن أبكي دريوذان ، فقد حارب أميراً ومات أميراً

إنما أبكي زوجي الذي هده الحزن ، فمن يدري ماذا هو ملاقيه من نكبات؟

"إسمع الصيحة الكريهة يبعثها أبناء آوي، وأنظر كيف يرقب الذئاب الفريسة -

وأرادت العذارى الفاتنات بما لهن من غِناء وجمال أن يحرسنه في رقدته،

إسمع هاتيك العقبان البغيضة المخضبة مناقيرها بالدماء ، تصفق بأجنحتها على أجسام الموتى -

والعذارى يلوحن بمراوح الريش حول درْيوذان في مخدعه الملكي

أنظر إلى أرملة درْيوذان النبيلة، الأم الفخورة بابنها الباسل لاكشمان

إنها في جلال الملكة شباباً وجمالاً ، كأنها قُدّتْ من ذهب خالص

إنتزعوها من أحضان زوجها الحلوة ، ومن ذراعي ابنها يطوقانها

كتب عليها أن تقضي حياتها كاسفة حزينة ، رغم شبابها وفتنتها

ألا مزق اللهم قلبي الصلب المتحجر ، وإسحقه بهذا الألم المرير

هل تعيش "جانذاري" لتشهد ابنها وحفيدها النبيلين مقتولين؟

وانظر مرة أخرى إلى أرملة درْيوذان ، كيف تحتضن رأسه الملطخ بدمه الخاثر

انظر كيف تمسك به على سريره في رفق بيدين رقيقتين رحيمتين

انظر كيف تدير بصرها من زوجها العزيز الراحل إلى ابنها الحبيب

فتختنق عبرات الأم فيها أنّةَ الأرملة وهي أنَّةٌ مريرة

وإن جسدها لذهبي رقيق كأنه من زهرة اللوتس

أواه يا زهرتي ، أواه يا ابنتي، يا فخر "بهارات" ويا عز "كورو"

ألا إن صدقتْ كتب الفيدا ، "فدريوذان" الباسل حي في السماء

ففيم بقاؤنا على هذا الحزن ، لا ننعم بحبه العزيز؟

إن صدقت آيات "الشاسترا" فابني البطل مقيم في السماء

ففيم بقاؤنا في حزن مادام واجبهما الأرضي قد تأدَّى.


فالموضوع موضوع حب وحرب ، لكن آلاف الإضافات زيدت عليه في شتى مواضعه ؛ فالإله "كرشنا" يوقف مجرى القتال حيناً بقصيدة منه يتحدث فيها عن شرف الحرب و"كرِشنا" و"بهشْما" وهو يحتضر ، يؤجل موته قليلاً حتى يدافع عن قوانين الطبقات والميراث والزواج والمِنَح وطقوس الجنائز ، ويشرح فلسفة كتب "السانخيا" و "يوبانشاد" ويروي طائفة من الأساطير والأحاديث المنقولة والخرافات ، ويلقي درساً مفصلاً على "يودشثيرا" في واجبات الملك ؛ كذلك ترى أجزاء مُعْفَرَّة جدباء في سياق الملحمة تقص شيئاً عن الأنساب وعن جغرافية البلاد وعن اللاهوت والميتافيزيقا ، فتفصل بين ما في الملحمة من رياض نضرة فيها أدب مسرحيٌّ وحركة.

وفي ملحمة "الماهابهاراتا" حكاية جامحة الخيال ، وقصص خرافية ، وغرامية ، وتراجم للقديسين ، فيتعاون كل هذا على جعل الملحمة أقل قيمة في صورتها الفنية ، وأخصب فكراً ، من الإلياذة أو الأوذيسية ؛ فهذه القصيدة التي كانت في بادئ أمرها معبرة عن طبقة الكشاترية (المحاربين) من حيث تبجيلها للحركة والنشاط والبطولة والقتال ، قد أصبحت على أيدي البراهمة أداة لتعليم الناس قوانين "مانو" ومبادئ "اليوجا" وقواعد الأخلاق وجمال النرفانا ؛ وترى "القاعدة الذهبية" معبَّراً عنها في صور كثيرة وتكثر في القصيدة الحِكَم الخلقية ذات الجمال وصدق النظر وفيها قصص جميلة عن الوفاء الزوجي ("نالا" و "دامايانتي" و "سافترْي") تصور للنساء اللائي يستمعن لها ، المثل العليا البرهمية للزوجة الوفية الصابرة. وفي غضون الرواية عن هذه المعركة الكبرى ، بُثت قصيدة هي أسمى قصيدة فلسفية يعرفها الشعر العالمي جميعاً ، وهي المسماة "بهاجافاد - جيتا" ومعناها (أنشودة المولى) ، وهي بمثابة "العهد الجديد" في الهند ، يبجلونها بعد كتب الفيدا نفسها ، ثم يستعملونها لحلف الأيمان في المحاكم كما يستعمل الإنجيل أو القرآن ؛ ويقرر "ولهلم فون همبولت" أنها "أجمل أنشودة فلسفية موجودة في أي لغة من اللغات المعروفة ، وربما كانت الأنشودة الوحيدة الصادقة في معناها.

ويجوز أن تكون أعمق وأسمى ما يستطيع العالم كله أن يبديه من آيات ؛ وقد هبطت إلينا "الجيتا" بغير إسم ناظمها أو تاريخ نظمها ، وهي في ذلك تشاطر سائر ما للهند من آيات الإبداع في الجهل بأصحابها ، وعلة ذلك أن الهند لا تعنى بما هو فرديّ أو جزئيّ ؛ وربما يرجع تاريخها إلى سنة 400 ق.م أو ربما كانت أحدث من ذلك بحيث ترجع إلى سنة 200 م. ومشهد القصيدة هو المعركة التي نشبت بين الكوريين والباندافيين ؛ والموقف الذي قيلت فيه هو ما أبداه "أرجونا" المحارب الباندافي من رغبة عن قتال ذوي قرباه في صفوف الأعداء قتالاً مميتاً؛ فإسمع "أرجونا" وهو يوجّه الخطاب إلى "المولى كرشنا" الذي كان يحارب إلى جواره كأنه إله من آلهة هومر، لترى كيف يعبر بخطابه عن فلسفة غاندي والمسيح:

"إن الأمر كما أراه هو أن هذا الحشد من ذوي قربانا

قد تجمع هاهنا ليسفك دماً مشتركاً بيننا ؛

ألا إن جسدي ليخور وَهَناً ، ولساني يجف في فمي ...

ليس هذا من الخير يا "كِشاف"! يستحيل أن ينشأ خير

من فريقين يفتك كل منهما بالآخر! انظر ،

إنني أمقت النصر والسيادة ، وأكره الثروة والترف

إن كان كسبهما عن هذا الطريق المحزن! واأسفاه ،


أي نصر يسرّ يا "جوفندا" وأي الغنائم النفيسة ينفع ،

و أي سيادة تعوض ، وأي أمد من الحياة نفسها يحلو ،

إن كان شيء من هذا كله قد اشتريناه بمثل هذه الدماء؟...

فإذا ما قتلنا

أقرباءنا وأصدقاءنا حباً في قوة دنيوية

فيالها من غلطة تنضح شراً!

إنه لخير في رأيي ، إذا ما ضرب أهلي ضربتهم ،

أن أواجههم أعزل من السلاح ، وأن أعَرّي لهم صدري ،

فيتلقى منهم الرماح والسهام ، ذلك في رأي خير من مبادلتهم ضربة بضربة


وهاهنا يأخذ "كرشنا"- الذي تحمل ربوبيته على الحد من نشوته بالمعركة- في بسط وجهة نظره واثقاً من صحة ما يقول ثقة إستمدها من كونه إبن فشنو ، وهي أن الكتب المنزلة ، والرأي عند خيرة الراسخين في العلم ، هو أنه من الخير والعدل أن يقتل الإنسان ذوي قرباه في الحرب ؛ وأن واجب "أرجونا" هو أن يتبع قواعد طبقته الكشاترية ، وأن يقاتل ويقتل أعداءه بضمير خالص وإرادة طيبة ، لأنه على كل حال لا يقتل إلا الجسد ، وأما الروح فباقية ؛ وهنا تراه يشرح ما جاء في "سانخيا" عن "بوروشا" التي لا يأتيها العطب ، وما جاء في "يوبانشاد " عن "أتمان" التي لا تفنى :

"إعلم أن الحياة لا تفنى، فتظل تبثّ حياةً في الكون كله؛

يستحيل على الحياة في أي مكان ، وبأية وسيلة ،

أن يصيبها نقص بأي وجه من الوجوه ، ولا أن يصيبها خمود أو تغير

أما هذه الهياكل الجسدية العابرة ، التي تبث فيها الحياة

روحاً لا تموت ولا تنتهي ولا تحدها الحدود -

ففانية ؛ فدعها- أيها الأمير- تَفْنَ ، وامض في قتالك!

إن من يقول: "انظر ، لقد قتلت إنساناً!"

وإن من يظن لنفسه: "هاأنذا قد قُتِلْت!"

فكلا هذين لا يعلم شيئاً ؛ إن الحياة لا تَقْتل

وإن الحياة لا تُقْتل! إن الروح لم تولد قط، ولن تفنى

إن الزمان لم يشهد لحظة خلت من الروح، إن النهاية والبداية أحلام!

إن الروح باقية إلى الأبد بغير مولد وبغير موت وبلا تغير

إن الموت لم يمسسها قط ، وإن خيل لنا أن وعائها الجسدي قد مات"

ويمضي "كرشنا" في إرشاد "أرجونا" في الميتافيزيقا ، مازجاً في تعليمه كتاب "سانخيا" بكتاب "فيدانتا" بحيث يحصل منهما على مركب فريد يقبله أنصار مذهب "فايشنافيت" ؛ فهو يقول عن الأشياء كلها ، موحداً بين ذاته والكائن الأسمى ، يقول عن الأشياء كلها إنها:

"تتعلق بي

كما تتعلق مجموعة من الخرزات على الخيط؛

أنا من الماء طعمه العذب

وأنا من القمر فضته ومن الشمس ذهبها

أنا موضع العبادة في الفيدا، والهزة التي

تشق أجواز الأثير والقوة

التي تكمن في نطفة الرجل أنا الرائحة الطيبة الحلوة

التي تعبق من الأرض البليلة؟ وأنا من النار وهجها الأحمر

وأنا الهواء باعث الحياة يتحرك في كل ما هو متحرك

أنا القدسية فيما هو مقدس من الأرواح أنا الجذر

الذي لا يذوي والذي إبثق منه كل ما هو كائن

أنا حكمة الحكيم وذكاء

العليم وعظمة العظيم

وفخامة الفخيم ...

إن من يرى الأشياء رؤية الحكيم

يرى أن براهما بما له من كتب وقداسة

والبقرة والفيل والكلب النجس

والمنبوذ وهو يلتهم لحم الكلب، كلها كائن واحد"


هذه قصيدة زاخرة بألوانها المتباينة ومتناقضاتها الميتافيزيقية والخلقية التي تصور أضداد الحياة وتعقيدها وإنه ليأخذنا شئ من الدهشة أن نرى الإنسان متمسكاً بما يبدو لنا موقفاً أسمى من الوجهة الخلقية بينما الإله يدافع عن الحرب والقتل معتمدا على أساس متهافت وهو أن الحياة غير قابلة للقتل والفردية وَهْم لا حقيقة فيه ، ولعل ما أراد المؤلف أن يحققه بقصيدته هو أن ينقذ الروح الهندية من الهمود المميت الذي فرضته العقيدة البوذية ، وأن يوقظها لتحارب من أجل الهند ؛ فهي بمثابة ثورة رجل من الكشاترية أحسّ أن الدين يوهن أمته ، وارتأى في زهو أن هنالك أشياء كثيرة أنفَس من السلام ؛ وقبل كل شئ كانت هذه القصيدة درساً لو حفظته الهند لجاز أن يصون لها حريتها.


أما ثانية الملاحم الهندية فهي أشهر الأسفار الهندية وأحبها إلى النفوس. وهي أقرب إلى أفهام الغربيين من "الماهابهاراتا" ؛ وأعني بها "رامايانا" ، وهي أقصر من زميلتها الأولى ، إذ لا يزيد طولها على ألف صفحة قوام الصفحة منها ثمانية وأربعون سطراً ؛ وعلى الرغم من أنها كذلك أخذت تزداد بالإضافات من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعد الميلاد ، فإن تلك الإضافات فيها أقل عدداً مما في زميلتها ، ولا تهوش الموضوع الأصلي كثيراً ؛ ويعزو الرواة هذه القصيدة إلى رجل يسمى "فالميكي" ، وهو كنظيره المؤلف المزعوم للملحمة الأخرى الأكبر منها ، يظهر في الحكاية شخصية من شخصياتها ولكن الأرجح أن القصيدة من إنشاء عدد كبير من المنشدين العابرين ، أمثال أولئك الذين لا يزالون ينشدون هاتين الملحمتين ، وقد يظلون يتابعون إنشادهما تسعين ليلة متعاقبة ، على مستمعين مأخوذين بما فيها من سحر. وكما أن "الماهابهاراتا" تشبه "الإلياذة" في كونها قصة حرب عظيمة أنشبتها الآلهة والناس ، وكان بعض أسبابها إستلاب أمة لامرأة جميلة من أمة أخرى ؛ فكذلك تشبه "رامايانا" "الأوذيسية" وتقصّ عما لاقاه أحد الأبطال من صعاب وأسفار ، وعن إنتظار زوجته صابرة حتى يعود إليها فيلتئم شملها من جديد ، وترى في فاتحة الملحمة صورة لعصر ذهبي ، كان فيه "دازا- راذا" يحكم مملكته "كوسالا" (وهي ما يسمى الآن أوذا) من عاصمته "أيوذيا":

مزداناً بما تزدان به الملوك من كرامة وبسالة، وزاخراً بترانيم الفيدا المقدسة

أخذ (دازا- راذا) يحكم ملكه في أيام الماضي السعيد...

إذ عاش الشعب التقيُّ مسالماً، كثير المال رفيع المقام

لا يأكل الحسد قلوبهم ؛ ولا يعرفون الكذب فيما ينطقون ؛

فالآباء بأسْراتهم السعيدة يملكون ما لديهم من ماشية وغلة وذهب

ولم يكن للفقر المدقع والمجاعة في (أيوذيا) مقام.


وكان على مقربة من تلك البلاد مملكة أخرى سعيدة هي "فيديها" التي كان يحكمها الملك "جاناك" ، وقد كان هذا الملك "يسوق المحراث ويحرث الأرض" بنفسه ، فهو في ذلك شبيه ببطل إسمه "سِنْسِناتَسْ" ؛ وحدث ذات يوم أنه لم يكد يلمس المحراث بيده ، حتى إنبثقت من مجرى المحراث في الأرض إبنة جميلة ، هي " سيتا " ، وما أسرع ما حان حين زواجها ، فعقد "جاناك" مباراة بين خطّابها ، فمن إستطاع منهم أن يقوم إعوجاج قوس "جاناك" الذي يقاتل به ، كانت العروس نصيبه ؛ وجاء إلى المباراة أكبر أبناء "دازا- راذا" وهو "راما": "صدره كصدر الليث ، وذراعاه قويتان ، وعيناه ذهبيتان ، مهيب كفيل الغابة ، وقد عقد على ناصيته من شَعْره تاجاً" ولم يستطع أن يلوي القوس إلا "راما" فقدم إليه "جاناك" إبنته بالصيغة المعروفة في مراسم الزواج في الهند:

هذه سيتا إبنة جاناك وهي أعز عليه من الحياة

فلتقاسمك منذ الآن فضيلتك ، ولتكن أيها الأمير زوجتك الوفية

هي لك في كل بلد ، تشاركك عزاً وبؤساً

فأعِزَّها في سرّائك وضرّائك ، واقبض على يدها بيدك

والزوجة الوفية لمولاها كالظل يتبع الجسد

وابنتي سيتا- زين النساء- تابعتك في الموت والحياة


وهكذا يعود "راما" إلى بلده "أيوذيا" بعروسه الأميرة: "جبين من عاج ، وشفة من المرجان ، وأسنان تسطع بلمعة اللآلئ"- وقد كسب حب أهل كوسالا بتقواه ووداعته وسخائه ؛ وما هو إلا أن دخل الشر هذه الفردوس حين دخلتها الزوجة الثانية "لدازا- راذا" وهي "كايكيي" ؛ وقد وعدها "دازا- راذا" أن يجيبها إلى طلبها كائناً ما كان ؛ فحملتها الغيرة من الزوجة الأولى التي أنجبت "راما" ولياً للعهد ، أن تطلب من "دازا- راذا" نفي "راما" من المملكة أربعة عشر عاماً ؛ فلم يسع "دازا- راذا" إلا أن يكون عند وعده ، مدفوعاً إلى ذلك بشرف لا يفهم معناه إلا شاعر لم يعرف شيئاً من السياسة ؛ ونفى إبنه الحبيب ، بقلب كسير ؛ ويعفو "راما" عن أبيه عفو الكريم ، ويأخذ الأهبة للرحيل إلى الغابة حيث يقيم وحيداً ؛ لكن "سيتا" تصر على الذهاب معه ، وكلامها في هذا الموقف تكاد تحفظه عن ظهر قلب كل عروس هندية ، إذ قالت:

"العربة والخيل المطهمة والقصر المذهّب ، كلها عبث في حياة المرأة

فالزوجة الحبيبة المحبة تؤثر على كل هذا ظلّ زوجها...

إن "سيتا" ستهيم في الغابة ، فذلك عندها أسعدُ مقاماً من قصور أبيها

إنها لن تفكر لحظة في بيتها أو في أهلها، ما دامت ناعمة في حب زوجها...

وستجمع الثمار الحوشية من الغابة اليانعة العبقة

فطعام (يذوقه "راما" هو أحب طعام عند "سيتا")


حتى أخوه "لاكشمان" يستأذن في الرحيل ليصحب "راما" فيقول:

"ستسلك طريقك المظلم وحيداً مع "سيتا" الوديعة ،

هلاّ أذنت لأخيك الوفيّ "لاكشمان" بحمايتها ليلاً ونهاراً ،

هلاّ أذنت "للاكشمان" بقوسه ورمحه أن يجوب الغابات جميعاً

فيسقط بفأسه أشجارها ، ويبني لك الدار بيديه؟".


وعند هذا الموضع تصبح الملحمة نشيداً من أنشاد الغابات ، إذ تقصّ كيف إرتحل "راما" و"سيتا" و"لاكشمان" إلى الغابات ، وكيف سافر معهم عامر "أيوذيا" جميعاً طوال اليوم الأول ، حزناً عليهم ؛ وكيف يتسلل المنفيّون من أصحابهم الودودين خلسة في ظلمة الليل ، مخلّفين وراءهم كل نفائسهم وثيابهم الفاخرة ، وارتدوا لحاء الشجر ونسيجاً من كلأ ، وأخذوا يشقوا لأنفسهم طريقاً في أشجار الغابة بسيوفهم ، ويقتاتون بثمار الشجر وبندقها:

"وطالما التفتت إلى "راما" حليلته، في غبطة وتساؤل تزدادان على مرّ الأيام


وتسأل ما إسم هذه الشجرة وهذا الزاحف وتلك الزهرة وهاتيك الثمرة مما لم تره من قبل...

والطواويس ترفّ حولهم مرحة، والقردة تقفز على محنيّ الغصون...

كان "راما" يثب في النهر تظلله أشعة الصبح القرمزية

وأما "سيتا" فكانت تسعى إلى النهر في رفق كما تسعى السوسنة إلى الجدول)


ويبنون كوخاً إلى جانب النهر ، ويروضون أنفسهم على حب حياتهم في الغابة لكن حدث أن كانت أميرة من الجنوب ، وهي "سوربا- ناخا" تجوب الغابة ، فتلتقي "براما" وتغرم به ، وتضيق صدراً بالفضيلة التي يبديها لها ، وتستثير أخاها "رافان" على المجيء ليختطف "سيتا" ، وينجح أخوها في خطفها والفرار بها إلى قلعته البعيدة ، ويحاول عبثاً أن يغويها بالضلال ، ولما لم يكن ثمة مستحيل على الآلهة والمؤلفين ، فقد حشد جيشاً جراراً ، فتح به مملكة "رافان" وهزمه في القتال ، وأنقذ "سيتا" وبعدئذ (وكانت أعوام نفيه قد كملت) فرّ معه قافلاّ بها إلى بلده "أريوذا" حيث وجد أخاً آخر له وفياً ، فتنازل له عن عرش كوسالا. وللملحمة ذيل يرجح أنه أضيف إليها متأخراً ، وفيه يروى أن "راما" آمن آخر الأمر بأقوال المتشككين الذين لم يصدقوا أن تكون "سيتا" قد أقامت تلك المدة كلها في قصر رافان بغير أن تقع في أحضانه آنا بعد آن ؛ وعلى الرغم من أنها إجتازت "محنة النار" لتدل على براءتها ، فقد بعث بها إلى غاية بعيدة حيث تقيم في صومعة هناك ، مزوّدة بألعوبة الوراثة المرّة التي تقضي على كل جيل من الناس أن يورّث خلفه تلك الخطايا والأغلاط التي ورثها هو من شيوخه في شبابه؛ وتلتقي "سيتا" في الغابة بفالميكي، وتلد طفلين "لراما" ؛ وتمضي السنون ، ويصبح الولدان منشدين جوّالين، يغنيان أمام "راما" المنكود الملحمة التي أنشأها عليه "فالميكي" مستمداً إيّاها من ذكريات "سيتا" ، فيدرك أن الولدين إبناه ، ويبعث برسالة إلى "سيتا" يرجوها الرجوع ؛ لكن "سيتا" كانت قد تحطم قلبها بما أثير حولها من ريب ، فغاصت في الأرض التي كانت في بادئ الأمر أمها ؛ ويظل "راما" يحكم أعوام طوالاً في وحشة وأسى، وتبلغ "أريوذا" في عهده الرحيم عصرها الذهبي من جديد ، ذلك الذي ذاقت طعمه في عهد "دازا- راذا":

يروي شيوخ الحكماء إبان عهد راما السعيد

أن رعيته لم تعرف الموت قبل أوانه ولا الأمراض الفاتكة.

ولم تبك الأرامل حزناً على أزواجهن لأن هؤلاء لم يموتوا عن زوجاتهم قبل إكتمال العمر

ولم تبك الأمهات هلعاً على الرضّع ففقدنهم في نعومة الأظفار.

ولم يحاول اللصوص والغشاشون والخادعون المرحون بالكذب سرقة أو غشاً أو خداعاً

وكل جار أحب جاره التقيّ ، وأحب الشعب مولاه

وآتت الأشجار أكلها كاملة كلما حانت فصولها

ولم تتوان الأرض عاماً عن إخراج غلّتها في غبطة المعترف بالجميل

وأمطرت السماء في أوان المطر ، ولم تعصف قط بالبلاد عاصفة تأتي على زرعها.

فكان كل واد يانع باسمٍ غنياً بمحصوله غنياً بمرعاه

وأخرج المِنْسَجُ السّندان صناعتهما ، كما أخرجت الأرض الخصيبة المحروثة نبتها

وعاشت الأمة فرحة بعمل أجدادها الأولين


ألا ما أمتعها من قصة ، يستطيع حتى المتشائم في عصرنا الحديث أن يستمتع بها ، إذا كان من الحكمة بحيث يترك زمام نفسه آنا بعد آن لروعة الخيال ونغمة الغناء ؛ فهذه الأشعار التي ربما كانت أحط قدراً من ملحمتي هومر من الوجهة الأدبية- في بنائها المنطقي وفخامة اللغة وعمق التصوير ، والصدق في وصف الأشياء على حقائقها- تمتاز بدقة الشعور ، وبإعلائها من شأن المرأة والرجل إعلاء مثالياً ، وبتصوير الحياة تصويراً قوياً- وهو تصوير واقعي أحياناً ؛ فلئن كان "راما" و "سيتا" أسمى خلقاً من أن يكونا شخصين حقيقيين ، فغيرهما من الأشخاص مثل "دروبادي" و "يوذشثيرا" و "ذريتا- راشترا" و "جانذاري" يكادون يكونون في قوة الحياة التي تراها في "أخيل" و "هيلانة" و "يوليسيز" و "بنلوب" ؛ ويستطيع الهندي أن يحتج في حق قائلاً إن الأجنبي لا يمكنه قط أن يحكم على هاتين الملحمتين ، بل لا يمكنه قط أن يفهمهما ؛ فهما للهندي ليستا مجرد قصتين بل هما في رأيه بهو من أبهاء الصور ، يشاهد فيه أشخاصاً مثاليين يمكنه أن ينسج في سلوكه على غرارهم ، هما مستودع تستقر فيه التقاليد ، كما تستقر فلسفة أمته ولاهوتها ، فهما- بوجه من الوجوه- كتب مقدسة يقرأها الهندي على نحو ما يقرأ المسيحي "محاكاة المسيح" أو "تراجم القديسين" ؛ إذ يعتقد الهندي الورع أن "كرِشْنا" و "راما" صورتان مجسدتان للألوهية ، ولا يزال يتوجه إليهما بالصلاة.

وهو حين يقرأ أخبارهما في هاتين الملحمتين ، يشعر بأنه يستمد من قراءته سمواً دينياً ، كما يستمد متعة أدبية وإرتفاعاً خلقياً ؛ وهو يؤمن أن قراءته "لرامايانا" يطهره من أوزاره جميعاً ويجعله ينجب ولداً ، كما أنه يقبل النتيجة المزهوَّة التي تنتهي إليها "الماهابهاراتا" قبول الإيمان الساذج ، وهي: "إذا قرأ المرء "الماهابهاراتا" وآمن بتعاليمها ، تطهر من كل خطاياه ، وصعد إلى السماء بعد موته ... فالبراهمة بالقياس إلى سائر الناس ، والزبد بالقياس إلى سائر ألوان الطعام ... والمحيط بالقياس إلى بركة الماء ، والبقرة بالقياس إلى سائر ذوات الأربع- كل ذلك يصور "الماهابهاراتا" بالقياس إلى سائر كتب التاريخ ... إن من يصغي في إنتباه إلى أشعار "الماهابهاراتا" المزدوجة الأبيات ويؤمن بما فيها ، يتمتع بحياة طويلة وسمعة طيبة في هذه الحياة الدنيا ، كما يتمتع في الآخرة بمقام أبدي في السماء".



المسرحية :


المسرحية في الهند قديمة قدم الفيدات ، بوجه من الوجوه ، ذلك لأن بذورها الأولى على الأقل موجودة في كتب "يوبانشاد" ولا شك في أن للمسرحية بداية أقدم من هذه الكتب المقدسة ، بداية أكثر فاعلية من تلك- وأعني بها الإحتفالات والمواكب الدينية التي كانت تقام للقرابين وأعياد الطقوس ؛ وكان للمسرحية مصدر ثالث غير هذين ، وهو الرقص- فلم يكن الرقص مجرد وسيلة لإخراج الطاقة المدخرة ، وأبعد من ذلك عن الحقيقي أن نقول أنه كان بديلاً للعملية الجنسية ، لكنه كان شعيرة جدية يقصد بها أن يحاكي ويوحي بالأعمال والحوادث الحيوية بالنسبة للقبيلة ؛ وربما التمسنا مصدراً رابعاً للمسرحية ، وهو تلاوة شعر الملاحم تلاوة علنية تدبّ فيها الحياة ؛ فهذه العوامل كلها تعاونت على تكوين المسرح الهندي ، وطبعته بطابع ديني ظل عالقاً به خلال العصر القديم كله من حيث بناء المسرحية ذاتها، ومصادر موضوعاتها الفيدية والملحمية، والمقدمة التي كانت تتلى دائماً قبل البدء في التمثيل إستنزالاً للبركة. وربما كان آخر البواعث التي حفزتهم على إنشاء المسرحية ، هو إتصال الهند باليونان إتصالاً جاء نتيجة لغزو الإسكندر فليس لدينا شاهد يدل على وجود المسرحية قبل "أشوكا" ، كما أنه ليس بين أيدينا إلا دليل مشكوك في قوته، على أنها وجدت في عهده ؛ وأقدم ما بقي لنا من المسرحيات الهندية مخطوطات أوراق النخيل التي كشف عنها حديثاً في التركستان الصينية ، وبينها ثلاث مسرحيات ، تذكر إحداها أن إسم مؤلفها هو "أشفاغوشا" العالم اللاهوتي في بلاط "كانِشْكا" ؛ لكن القالب الفني لهذه المسرحية ، والشبه الذي بين شخصية "المضحك" فيها وبين النمط الذي عرفناه لمثل هذه الشخصيات في المسرح الهندي على مر العصور ، قد يدلان على أن المسرحية كانت قائمة بالفعل في الهند قبل مولد "أشفاغوشا" ، وحدث في سنة 1910م أن وجدت في "ترافانكور" ثلاث عشرة مسرحية سنسكريتية ، تُنسَبْ في شئ من الشك إلى "بهازا" (حوالي سنة 350م) وهو في الأدب المسرحي سلفٌ ظفر بكثير من التكريم من "كاليداسا" ففي مقدمة روايته "مالافيكا" توضيح جيد لنسبية الزمن والصفات ، أثبته (أي كاليداسا) في تلك المقدمة عن غير وعي منه ، فتراه يسأل: هل يليق بنا أن نهمل مؤلفات رجال مشهورين مثل "بهازا" و "ساوميلا" و "كافيبوترا"؟ هل يمكن للنظارة أن يحسُّوا بأقل إحترام لما ينشئه شاعر حديث يسمى كاليداسا؟".

من أول هذا الجزء نعيد إدخال" وإلى عهد قريب كانت أقدم مسرحية هندية معروفة للباحثين العلميين هي "عربة الطين" ، وفي النص- الذي ليس تصديقه حتماً علينا- ذكر لإسم مؤلفها ، وهو رجل مغمور يعرف بإسم "الملك شودراكا" يوصف بأنه خبير بكتب الفيدا وبالرياضة وترويض الفيلة وفن الحب. ومهما يكن من أمر فقد كان خبيراً بالمسرح ، ومسرحيته هذه أمتع ما جاءنا من الهند ، وليس في ذلك سبيل إلى الشك- فهي مزيج- يدل على براعة- من الغناء والفكاهة ، وفيها فقرات رائعة لها ما للشعر من حرارة وخصائص. ولعل خلاصة موجزة لحوادثها أنفع في توضيح مميزات المسرحية الهندية من مجلد بأسره يكتب في شرحها والتعليق عليها ؛ ففي الفصل الأول نلتقي بـ "شارو- داتا" الذي كان ذات يوم من الأغنياء ، ثم أصابه الفقر لجوده وسوء حظه ؛ ويلعب صديقه "مايتريا"- وهو برهميّ فدْم- دور المضحك في المسرحية ؛ ويطلب "شارو" من "مايتريا" أن يهب الآلهة قرباناً، ولكن البرهمي يرفض الطلب قائلاً: "ما غناء القربان للآلهة التي عبدتها ما دامت لم تصنع لك شيئاً؟" وفجأة دخلت إمرأة هندية شابة ، من أسرة رفيعة ولها ثراء عريض ، دخلت مندفعة في فناء دار "شارو" تلتمس فيه ملاذاً من رجل يتعقبها ؛ وإذا بهذا المتعقب أخو الملك ، وإسمه "سامزثاناكا" وهو شرير إلى درجة بلغت غاية لم تدع فيه أدنى مجال للخير، حتى ليتعذر على الإنسان أن يصدق وجود مثل هذا الشر الخالص ، على نحو ما كان" "شارو" خيّراً خالصاً لا سبيل إلى دخول الشر في نفسه ؛ فيحمي "شارو" الفتاة اللائذة بداره ، ويطرد " سامزثاناكا " الذي يتوعده بالإنتقام ، فيزدري منه هذا الوعيد وتطلب الفتاة- وإسمها "فاسانتا- سينا"- من "شارو" أن يحفظ لها وعاء فيه جواهر كريمة تحت حراسته الآمنة ، خشية أن يسرقه منها الأعداء ، وخشية ألا تجد عذراً تتذرع به للعودة إلى زيارة منقذها ؛ فيجيبها إلى ما طلبت، ويحفظ لها الوعاء ، ويحرسها حتى يبلغ بها دارها الفخمة. ويأتي الفصل الثاني بمثابة فاصل هزلي ، فهذا مقامر هارب من مقامرين آخرين ، يلوذ بأحد المعابد ، فلما دخل هذان ، وتخلص منهما بأن وقف وقفة التمثال كأنه وثن الضريح ، ويقرصه المتعقبان ليريا إن كان حقيقة وثناً من الحجر ، فلا يتحرك ؛ فيتخليان عن البحث ، ويتسليان بلعبة يلعبانها بالزهر "زهر القمار" بجوار المذبح ؛ ويبلغ اللعب من إثارته للنفس مبلغاً تعذر معه على التمثال أن يضبط زمام نفسه ، فوثب من على قاعدته ، واستأذن ليشترك في اللعب ؛ ويهزمه اللاعبان الآخران ، فيجد في ساقيه السريعتين وسيلة للفرار مرة أخرى ، وتنجيه "فاسانتا- سينا" التي عرفت فيه رجلاً كان فيما مضى خادماً عند "شارو- داتا".

ونرى في الفصل الثالث "شارو" و"مايتريا" عائدين من حفلة موسيقية ويسطو على الدار لص فيسرق وعاء الجواهر الكريمة ، فلما كشف "شارو" عن السرقة ، أحس بالعار ، وبعث إلى "فاسانتا- سينا" آخر ما يملكه من عقود اللؤلؤ ، عوضاً لها. ونرى في الفصل الرابع "شارفيلاكا" يقدم الوعاء المسروق إلى خادمة "فاسنتا- سينا" إبتغاء حبها ؛ فلما عرفت أنه وعاء سيدتها ، إزدرت "شارفيلاكا" لأنه لص ، فيجيبها في مرارة نعرفها في شوبنهور ، قائلاً:

إن المرأة- إذا ما بذلتَ لها المال- إبتسمت أو بكتْ

ما أردتَ لها الإبتسام أو البكاء ؛ إنها تحمل الرجل

على الثقة فيها ، لكنها هي لا تثق فيه ،

إن النساء متقلبات الأهواء كموج

المحيط ؛ إنّ حبهن مفلات هروب

كأنه شعاع من ضوء الشمس الغاربة فوق السحاب ،

إنهن يرتمين بميل شديد على الرجل

الذي يعطيهن مالاً ، وما زلن يعتصرن ماله

إعتصارهن لعصارة النبات المليء ، ثم ينبذونه نبذاً


لكن الخادمة تدحض كلامه هذا بعفوها عنه كما تدحضه "فاسانتا- سينا" بالإذن لهما بالزواج. وفي فاتحة الفصل الخامس تأتي "فاسانتا- سينا" إلى بيت "شارو" لكي تعيد له جواهره ، وتعيد كذلك وعاءها ؛ وبينما هي هناك ، عصفت عاصفة تصفها بالسنسكريتية وصفا رائعاً ؛ وتتفضّل عليها العاصفة بالزيادة من ثورة غضبها ، إذ إضطرتها بذلك- إضطراراً جاء وفق ما تشاء وتهوى- أن تبيت ليلتها تحت سقف شارو.

ونرى في الفصل السادس "فاسانتا" وهي تغادر بيت "شارو" في الصباح التالي ؛ وبدل أن تدخل العربة التي أعدها لها ، أخطأت فدخلت عربة يملكها "سامزثاناكا" الشرير ؛ وفي الفصل السابع حبكة فرعية ليست بذات أثر كبير على موضوع المسرحية ؛ ونرى "فاسانتا" في الفصل الثامن ملقاة- لا في قصرها كما توقعت- بل في بيت عدوها ، بل توشك أن تكون في أحضان ذلك العدو ؛ فلما عاودته بازدراء حبّه إياها، خنقها ودفنها ؛ ثم ذهب إلى المحكمة وإتهم شارو بقتل "فاسانتا" بغية الوصول على أحجارها الكريمة. وفي الفصل التاسع وصف للمحاكمة ، حيث يخون "مايتريا" سيده خيانة غير مقصودة ، وذلك بأن أسقط من جيبه جواهر "فاسانتا" ؛ فحكم على "شارو" بالموت ؛ ونراه في الفصل العاشر في طريقه إلى حيث ينفذ فيه الإعدام ؛ ويلتمس إبنه من الجلادين أن يضعوه مكان أبيه ، لكنهم يرفضون ؛ ثم تظهر "فاسانتا" في اللحظة الأخيرة ؛ فقد شاهد "شارفيلاكا" "سامزثاناكا" وهو يدفنها ، فأسرع إلى إخراج جسدها قبل فوات الأوان ، وأعادها إلى الحياة ؛ وإنقلب الوضع ، فقد أنقذت "فاسانتا" "شارو" من الموت ؛ وإتهم "شارفيلاكا" أخا الملك بتهمة القتل ؛ لكن "شارو" أبى أن يؤيد الإتهام ، فأطلق سراح "سامزثاناكا" وعاش الجميع عيشاً سعيداً.

لما كان الوقت في الشرق ، حيث يكاد العمل كله يتم أداؤه بأيد بشرية ، أوسع منه في الغرب ، حيث وسائل توفير الوقت كثيرة جداً ، كانت المسرحيات الهندية ضعف المسرحيات الأوروبية في عصرنا هذا ؛ فيتراوح عدد الفصول من خمسة إلى عشرة ، وكل فصل منها ينقسم في غير إزعاج للنظارة إلى مناظر ، بحيث يكون أساس الإنقسام خروج شخصية ودخول أخرى ؛ وليس في المسرحية الهندية وحدة للمكان ووحدة للزمان ، وليس فيها ما يحد سرحات الخيال ؛ والمناظر على المسرح قليلة ، لكن الثياب زاهية الألوان ، وأحياناً يدخلون على المسرح حيوانات حية فتزيد من حركة المسرحية نشاطاً. وتبث روحاً فيما هو صناعي بما هو طبيعي فترة من الزمن ؛ ويبدأ التمثيل بمقدمة يناقش فيها أحد الممثلين أو مدير المسرح موضوع الرواية ، والظاهر أن "جيته" أخذ عن "كاليداسا" فكرة المقدمة لرواية "فاوست" ؛ ثم تخدم المقدمة بتقديم أول شخصية من الممثلين ، فيأتي هذا ويخوض في قلب الموضوع ؛ والمصادفات لا عدد لها ، وكثيراً ما ترسم العوامل الخارقة للطبيعة خط السير للحوادث ؛ ولا تخلو مسرحية من قصة غرامية ، كما لابد لها من "مضحك" ؛ وليس في الأدب المسرحي الهندي مأساة ، إذ لا مندوحة لهم عن إختتام الحوادث بخاتمة سعيدة ؛ وحتم في المسرحية أن ينتصر الحب الوفيّ دائماً ، وأن تكافأ الفضيلة دائماً ، وأقل ما يدعوهم إلى فعل ذلك أن يجئ بمثابة الموازنة مع الواقع؛ وتخلو المسرحية الهندية من المناقشات الفلسفية التي كثيراً جداً ما تعترض مجرى الشعر الهندي؛ فالمسرحية مثل الحياة ، لا بد أن تعلّم بالفعل وحده ، وألا تلجأ أبداً في ذلك إلى مجرد الكلام ، ويتعاقب في سياق المسرحية الشعر الغنائي والنثر ، حسب جلال الموضوع والشخصية والفعل ؛ والسنسكريتية هي لغة الحديث لأفراد الطبقات العالية في الرواية ، والبراكريتية هي لغة النساء والطبقات الدنيا ؛ والفقرات الوصفية في تلك المسرحيات بارعة ، وأما تصوير الشخصيات فضعيف ؛ والممثلون- وفيهم نساء- يجيدون أداء التمثيل ، فلا هم يتسرعون كما هي الحال في الغرب ، ولا هم يسرفون في البطء كما يفعل أهل الشرق الأقصى ؛ وتنتهي الرواية بخاتمة يتوجّه فيها بالدعاء إلى الإله المحبب عند المؤلف أو عند أهل الإقليم المحلي ، ليهيئ أسباب السعادة للبلاد.

وأشهر المسرحيات الهندية هي "شاكونتالا" ل "كاليداسا" لم يزاحمها في ذلك مزاحم منذ ترجمها "سير وليم جونز" وإمتدحها "جيته" ؛ ومع ذلك فكل ما تعرفه لكاليداسا ثلاث مسرحيات ، مضافاً إليها الأساطير التي أدارتها حول اسمه ذاكرات المعجبين ؛ والظاهر أن قد كان أحد "الجواهر التسع"- من الشعراء والفنانين والفلاسفة- الذين قرّبهم الملك "فكراماديتيا" إليه (380- 413 م) في عاصمة جوبتا ، وهي "يوجين". تقع "شاكونتالا" في سبعة فصول، بعضها نثر ، وبعضها شعر ينبض بالحياة؛ فبعد مقدمة يدعو فيها مدير المسرح النظارة أن يتأملوا روائع الطبيعة ، تبدأ الرواية بمنظر طريق في غابة ، حيث يقيم راهب مع ابنة تبنّاها ، تسمى "شاكونتالا" وما هو إلا أن يضطرب سكون المكان بصوت عربة حربية، يخرج منها راكبها وهو الملك "دشيانتا" فيغرم "بشاكونتالا" في سرعة نعهدها في خيال الأدباء، ويتزوج منها في الفصل الأول ، لكنه يستدعى فجأة للعودة إلى عاصمته ؛ فيتركها واعداً إياها أن يعود إليها في أقرب فرصة ممكنة ، كما هو مألوف في مثل هذا الموقف ؛ وينبئ رجل زاهد فتاتنا الحزينة بأن الملك سيظل يذكرها ما دامت محتفظة بالخاتم الذي أعطاه لها ، لكنها تفقد الخاتم وهي تستحم؛ ولما كانت على وشك أن تكون أماً ، فقد إرتحلت إلى قصر الملك ، لتعلم هناك أن الملك قد نسيها على غرار ما هو معهود في الرجال الذين تسخو معهم النساء ، وتحاول أن تذكّره بنفسها.


شاكونتالا: ألا تذكر في عريشة الياسمين

ذات يوم حين صَبَبْتُ ماء المطر

الذي تجمع في كأس زهرة اللوتس

في تجويفة راحتك؟

الملك: امضي في قصتك إني أسمع.

شاكونتالا: وعندئذ في تلك اللحظة عينها ،

جاء نحونا يعدو طفلي الذي تبنيته ، أعني الغزال الصغير ،

جاء بعينيه الطويلتين الناعستين ؛ فقبل أن تطفئ ظمأك.

مددت يدك بالماء لذلك المخلوق الصغير ، قائلاً:

"اشرب أنت أولاً أيها الغزال الوديع"

لكن الغزال لم يشرب من أيد لم يألفها

وأسرعت أنا فمددت إليه ماء في راحتي فشرب

في ثقة لا يشوبها فزع ، فقلت أنت مبتسماً:

"إن كل مخلوق يثق في بني جنسه

كلاكما وليد غابة حوشية واحدة

وكلاكما يثق في زميله ، ويعرف أين يجد أمانة"

الملك: ما أحلاك وما ألطفك وما أكذبك!

أمثال هؤلاء النساء يخدعن الحمقى...

إنك لتلحظ دهاء الإناث

في شتّى أنواع المخلوقات، لكنها في النساء أكثر منها في غيرهن

إن أنثى الوقوق تترك بيضها للأقدام تفقسها لها

وتطير هي آمنة ظافرة


هكذا لقيت "شاكونتالا" الهون ، وتحطم رجاؤها ، فرفعتها معجزة إلى أجواز الفضاء حيث طارت إلى غابة أخرى فولدت هناك طفلها ، وهو "بهاراتا" العظيم الذي كتب على أبنائه من بعده أن يخوضوا معارك "الماهابهاراتا" ؛ وفي ذلك الحين ، وجد سمّاك خاتمها المفقود ، ورأى عليه اسم الملك ، فأحضره إلى "دشيانتا" (الملك) ، وعندئذ عادت إليه ذاكرته "بشاكونتالا" ، وأخذ يبحث عنها في كل مكان ، وطار بطائرة فوق قمم الهمالايا ، وهبط بتوفيق من السماء عجيب على الصومعة التي كانت "شاكونتالا" تذوي في جوفها ، ورأى الصبيّ "بهاراتا" يلعب أمام الكوخ ، فحسد والديه قائلاً:


"آه ، ما أسعده من أب وما أسعدها من أم

يحملان وليدهما ، فيصيبهما القذر

من جسده المعفّر ؛ إنه يكنّ آمناً مطمئناً

في حجريهما ، وهو الملاذ الذي يرنو إليه-

إن براعم أسنانه البيضاء تتبدّى صغيرة

حين يفتح فمه باسماً لغير ما سبب ؛

وهو يلغو بأصوات حلوة لم تتشكل بعد كلاماً...

لكنها تذيب الفؤاد أكثر مما تذيبه الألفاظ كائنة ما كانت"


وتخرج "شاكونتالا" من كوخها، فيلتمس الملك عفوها ، وتعفو عنه ، فيتخذها ملكة له ، وتنتهي المسرحية بدعاء غريب لكنه يمثل النمط الهندي المألوف:


"ألا فليعش الملوك لسعادة رعاياهم دون سواها ،

اللهم أكرم "سارسفاتي" المقدسة- منبع

الكلام وإلهة الفن المسرحي ،

أكرمها دوماً بما هو عظيم وحكيم!

اللهم يا إلهنا الأرجواني الموجود بذاتك

يا من يملأ المكان كله بنشاط حيويته ،

أنقذ روحي من عودة مقبلة إلى جسد!"


لم تتدهور المسرحية بعد "كاليداسا" لكنها لم تستطع بعدئذ أن تنتج رواية في قوة "شاكونتالا" أو "عربة الطين" ؛ فقد كتب الملك "هارشا" ثلاث مسرحيات شغلت المسرح قروناً- ذلك لو أخذنا رواية تقليدية ربما


أوحى بها أول أمرها إيحاء؛ وبعده بمائة عام، كتب "بهافابهوتي"- وهو برهميٌّ من برار- ثلاث مسرحيات غرامية، لا يفوقها جودة إلا مسرحيات "كاليداسا" في تاريخ المسرح الهندي؛ وكان أسلوبه- رغم ذلك- مزخرفاً غامضاً، فكان لزاماً عليه أن يقنع بنظّارة محدودة العدد، وبالطبع قد ادّعى أن تلك النظارة القليلة ترضيه؛ وقد كتب يقول : "ألا ما أقل ما يدريه أولئك الذين يقرعوننا باللوم؛ إن مسرحياتي لم تكتب لتسليتهم، فليس بعيداً أن يكون بين الناس شخص، أو ربما يوجد شخص في مقبل الأيام، له ذوق شبيه بذوقي، لأن الزمان مديد والعالم فسيح الأرجاء". يستحيل علينا أن نضع الأدب المسرحي في الهند ، في منزلة واحدة مع مثيله في اليونان أو في إنجلترا أيام اليصابات ؛ لكنه يقارن مع المسرح في الصين أو اليابان فيكون له التفوق ؛ كلا لا يجوز لنا أن نبحث في أدب الهند عما يطبع المسرح الحديث من ألوان الفن الدقيق ، فهذه الألوان عرض من أعراض الزمن ، أكثر منها حقيقة أبدية ، وربما زالت ، بل ربما تحولت إلى ضدها ؛ إن الكائنات الخوارق للطبيعة ، في المسرحية الهندية غريبة على أذواقنا ، مثل "القدر" في أدب "يوربيديز" المتنور ؛ لكن هذا الجانب أيضاً عرض من أعراض التاريخ ؛ أما أوجه الضعف في المسرحية الهندية (إذا جاز لأجنبي أن يذكرها في تردد) فهي التكلف في الصيغة اللفظية التي يشوهها تكرار الحرف الواحد ليمثل الصوت المعبَّر عنه وتفسدها الألاعيب اللفظية ، وتصوير الأشخاص بلون واحد للشخص الواحد ، فإما أن يكون الشخص خيراً صرفاً ، أو أن يكون شراً صرفاً ، وحبكة الحوادث حبكة لا يقبلها العقل ، مستندة إلى مصادفات لا يمكن تصديقها ؛ وإسراف في الوصف وفي النقاش حول الفعل الذي يكاد يكون بحكم التعريف الوسيلة الفريدة التي تتميز بها المسرحية في نقل ما تريد أن تنقله ؛ وأما حسنات المسرحية الهندية فما فيها من خيال بديع ، وعاطفة رقيقة ، وشعر مرهف ، ونداء عاطفي لما في الطبيعة من ألوان الجمال والفزع ؛ إنه لا سبيل إلى النزاع حول صور الفن القومية ، ذلك لأننا لا نستطيع أن نحكم عليها إلا من وجهة نظرنا بما لها من لون خاص ، ثم لا نستطيع أن نراها غالباً إلا خلال منظار الترجمة ؛ ويكفينا أن نقول إن "جيته" وهو أقدر الأوربيين على التسامي فوق حدود الإقليم وحواجز القومية ، قد عَدَّ قراءة "شاكونتالا" بين ما صادفه في حياته من عميق التجارب ، وكتب عنها معترفاً بفضلها:

"أتريدني أن أجمع لك في إسم واحد زهرات العام وهو في ربيعه ناشئ ،

وثماره وهو في خريفه ينحدر إلى فناء

وأن أجمع كل ما عساه أن يسحر الروح ويهزها ويغذوها ويطعمها

بل أن أجمع الأرض والسماء نفسيهما في إسم واحد؟

إذن لذكرت إسمك يا "شاكونتالا" وبذكره أذكر كل شئ دفعة واحدة".



النثر والشعر :





النثر ظاهرة مستحدثة في الأدب الهندي إلى حد كبير ، ويمكن إعتباره ضرباً من الفساد جاءه من الخارج بفعل الإتصال مع الأوربيين ؛ فروح الهندي الشاعرة بطبعها ترى أنه لابد لكل شئ جدير بالكتابة عنه أن يكون شعري المضمون ، يستثير في الكاتب رغبة في أن يخلع عليه صورة شعرية ؛ فمادام الهندي قد لأحس بأن الأدب تنبغي قراءته بصوت مرتفع ، وأدرك أن نتاجه الأدبي سينتشر في الناس ويدوم بقاؤه - ذلك إن انتشر ودام - بالرواية الشفوية لا بالكتابة فقد آثر أن يصب إنشاءه في قالب موزون أو مضغوط في صورة الحكمة ، بحيث تسهل تلاوته ويسهل حفظه في الذاكرة ؛ ولهذا كان الأدب في الهند كله تقريبا أدبا منظوماً ؛ فالبحوث العلمية والطبية والقانونية والفنية أغلبها مكتوب بالوزن والقافية أو بكليهما ، حتى قواعد النحو ومعاني القاموس قد صيغت في قالب الشعر ، والحكايات الخرافية والتاريخ ، وهما في الغرب يكتفيان بالنثر ، تراهما في الهند قد اتخذا قالباً شعرياً منغماً. الأدب الهندي خصيب بالحكايات الخرافية بصفة خاصة ؛ والأرجح أن تكون الهند مصدراً لمعظم الحكايات الخرافية التي عبرت الحدود بين أقطار العالم كأنها عملة دولية فالبوذية لقيت أوسع إنتشار لها حين كانت أساطير "جاتاكا" عن مولد بوذا ونشأته شائعة في الناس ؛ وأشهر كتاب في الهند هو المعروف بإسم "بان كاتانترا" أي "العنوانات الخمسة" )حوالي 500 ميلادية( وهو مصدر كثير من الحكايات الخرافية التي أمتعت أوروبا كما أمتعت آسيا ؛ وكتاب "هيتو باديشا" أو "النصيحة الطيبة" فيه مختارات ومقتبسات من الحكايات الموجودة في "بان كاتانترا" ، والعجيب أن كلا الكتابين ينزلان عند الهنود- إذا ما صنّفوا كتبهم- في قسم "نيتي شاسترا" ومعناها إرشادات في السياسة والأخلاق ، فكل حكاية تروى لكي تبرز عبرة خلقية ، ومبدأ من مبادئ السلوك أو الحكم، وفي معظم الحالات يقال في هذه القصص إنها من إنشاء برهمي ابتكرها ليعلم بها أبناء ملك من الملوك ، وكثيراً ما تستخدم هذه الحكايات أحط الحيوانات للتعبير عن ألطف معاني الفلسفة ؛ فحكايات القرد الذي حاول أن يدفئ نفسه بيراعة)وهي حشرة تضئ بالليل(وقتل الطائر الذي بصره بخطئه في ذلك ، تصوير بديع رقيق لما يصيب العالم الذي يتصدى لإرشادات الناس إلى مواضع الخطأ في عقائدهم. ولم تنجح كتابة التاريخ هناك في أن ترتفع عن مستوى سرد الحقائق عارية ، أو مستوى الخيال المزخرف ، ويجوز أن يكون الهنود قد أهملوا العناية بكتابة التاريخ بحيث ينافسون بها هيرودوت ، أو ثيوسيديد ، أو فلوطرخس ، أو تاسِتَسْ أو جُبن ، أو فولتير ، إما لإزدرائهم لحوادث المكان والزمان المتغيرة )وهو ما يسمونه مايا وإما لإيثارهم النقل بالرواية الشفوية على المدوّنات المكتوبة ، فالتفصيلات الخاصة بتحديد الزمان أو المكان قليلة جداً في وثائقهم ، حتى في حالة كتابهم عن رجالهم المشهورين ، لدرجة أن علماء الهنود قد تفاوتوا في تحديد تاريخ أعظم شعرائهم "كاليداسا" تفاوتا تراوح بين طرفي فترة طولها ألف عام ؛ إن الهنود يعيشون- ومازالوا كذلك إلى يومنا هذا- في عالم لا يكاد يتغير فيه شئ من عادات وأخلاق وعقائد ، حتى ليوشك الهندي ألا يفكر قط في تقدم ، ويستحيل عليه أن يعنى بالآثار القديمة ؛ فقد كانت تكفيه الملاحم تاريخاً صحيح الرواية ، كما تكفيه الأساطير في تراجم الأسلاف ؛ فلما كتب "أشفاغوشا" كتابه عن حياة بوذا "بوذا- شارِتا" كان أقرب إلى الأساطير منه إلى التاريخ ، وكذلك لما كتب "بانا" بعد ذلك بخمسمائة عام كتابه من حياة "هارشا" (هارشا- شارِتا) كان أقرب إلى رسم صورة مثالية للملك العظيم منه إلى تقديم صورة يعتمد على صدقها وتواريخ "راجيوتانا" القومية ليست فيما يظهر إلا تمرينات في الوطنية والظاهر أنه لم يكن بين الهنود إلا كاتب واحد هو الذي أدرك عمل المؤرخ بمعناه الصحيح وهو "كالهانا" مؤلف كتاب "راجات آرانجيني" ومعناه "تيار الملوك" ولقد عبر عن نفسه بقوله: "ليس جديرً بالإحترام إلا الشاعر الشريف العقل الذي يجعل الكلمة منه كحكم القاضي- خالية من الحب والكراهية في تسجيل الماضي" ويسميه "وِنْتَرْنِتْز": "المؤرخ العظيم الوحيد الذي أنتجته الهند".

أما المسلمون فقد كانوا أدق شعوراً بكتابة التاريخ ، وخلَّفوا لنا مدوَّنات نثرية تدعو إلى الإعجاب لما صنعوه في الهند ، وقد أسلفنا ذكر "البيروني" ودراسته البشرية وذكْر "مذكرات" "بابور" ، وكان يعاصر "أكبر" مؤرخ ممتاز هو "محمد قاسم فِرِشْتا" وكتابه "تاريخ الهند" هو أصح دليل تستدل به على حوادث الفترة الإسلامية ؛ وأقل منه حياداً "أبو الفضل" كبير وزراء "أكبر" أو الرجل الذي كان يؤدي كل شئون السياسة في البلاد ؛ وقد خَلَّف لأجيال المستقبل وصفاً لأساليب مولاه في إدارة البلاد ، وذلك في كتابه "عين أكبر" أو "مؤسسات أكبر الإجتماعية". وروى لنا حياة مولاه رواية تدل على حبه له حباً نغفر له ، وأطلق على كتابه هذا أسم "أكبر ناما" وقد رد له الإمبراطور حبَّه هذا حبّا مثله ، ولما جاءت الأخبار بأن "جهان كير" قد قتل الوزير ، أخذ "أكبر" حزنٌ عميق وصاح قائلا: "إذا أراد سالم (جهان كير) أن يكون حاكماً ، فقد كان يجوز له أن يقتلني ويُبقي على أبي الفضل". وبين الحكايات الخرافية والتاريخ تقع مجموعة كبيرة في منتصف الطريق من حكايات شعرية جمعها ناظمون دءوبون ، وأرادوا بها أن تكون متاعاً للروح الهندية المحبة للخيال ؛ ففي القرن الأول الميلادي ، نظم ناظم يدعى "جناذيا" مائة ألف زوج من الشعر أطلق عليه "برهاتكاذا" أي "مسرح الخيال العظيم" ثم أنشأ "سوماديفا" بعد ذلك بألف عام "كاذا سارتزا جارا" أي "المحيط الجامع لأنهار القصص" ، وهي قصيدة تتدفق حتى يبلغ طولها 21.500 زوج من الشعر ؛ وفي هذا القرن الحادي عشر نفسه ظهر قصاص بارع مجهول الإسم ، وأبتكر هيكلا يبنى على أعواده قصيدته "فتالا بانكا فنكاتيكا" ومعناها "القصص الخمس والعشرون عن الخفاش الجارح" ، وذلك بأن صور الملك "فكرا ماديتيا" يتلقى كل عام ثمرة من أحد الزاهدين في جوفها حجر نفيس ، ويسأل الملك كيف يمكنه أن يعبّر عن عرفانه بالجميل فيُطلب إليه أن يحضر "لليوجيّ" "الزاهد" جثة رجل يتدلى من المشنقة ، مع إنذاره بألا يتكلم إذا ما توجهت إليه الجثة بالخطاب ؛ لكن الجثة كان يسكنها خفاشٌ جارح أخذ يقص على الملك قصة ذهبت بلبِّ الملك فلم يشعر بنفسه وهو يتعثر في طريقه. وفي نهاية القصة توجه الخفاش بسؤال ، فأجابه الملك ناسيا ما أُنذر به من إلتزام الصمت ؛ وحاول الملك خمساً وعشرين مرة أن يحضر الجثة للزاهد مع إلتزامه الصمت إزاء ما يصدر له منها من حديث ، ومن هذه المرات أربع وعشرون مرة كان الملك فيها مأخوذاً بالقصة التي يرويها له الخفاش الجارح حتى ليسهو ويجيب عن السؤال الذي يوجَّه إليه في الختام؛ فيالها من مشنقة بارعة أنزل منها الماتب أكثر من عشرين قصة. لكنا في الوقت نفسه لا نقول لأن الهند قد عَدِمَتْ الشعراء الذين يقرضون الشعر بمعنى الكلمة التي نفهمها نحن ؛ فأبو الفضل يصف لنا "آلاف الشعراء" في بلاط "أكبر" ؛ وكان منهم مئات في صغرى العواصم ، ولا شك أن كل بيت كان يحتوي منهم على عشرات. ومن أقدم الشعراء وأعظمهم "بهارتريهاري" وهو راهب ونحويٌّ وعاشق ، غذَّى نفسه بألوان الغزل قبل أن يرتمي في أحضان الدين ، ولقد خلَّف لنا مُدوَّناً بها من كتابه المسمى "قرن من الحب"- وهو سلسلة من مائة قصيدة تتابع على نحو ما تتابع القصائد عند "هيني" ، ومما كتبه لإحدى معشوقاته: "ظنَنَّا معاً قبل اليوم أنكِ كنتِ إياي ، وكنتُ أنا إياكِ ؛ فكيف حدث الآن أن أصبحت أنتِ ، هو أنتِ وأنا هو أنا" ؛ ولم يكن يأبه لرجال النقد قائلاً لهم: "إنه من العسير أن تُقْنع خبيراً ، لكن "الخالق نفسه" لا يستطيع أن يرضي رجلاً ليس له من المعرفة إلا نزر يسير" ؛ وفي كتاب "جيتا- جوفندا" لصاحبه "جاياديفا" ،- وعنوان الكتاب معناه "أنشودة قطيع البقر المقدس"- يتحول غَزَل الهندي إلى دين ، ويصبغ ذلك الغزل بصبغته الحب الجسدي ل"راذا" و"كرِشْنا" وهي قصيدة مليئة بالعاطفة الحية الجسدية ، لكن الهند تؤوِّلهل تأويلا مدفوعة فيه بالشعور الديني: إذ تفسرها بأنها قصيدة صوفية رمزية تعبر عن عشق الروح لله- وهو تأويل يفهمه أولئك القديسون الذين لا يهتزون للعواطف البشرية ، والذين أنشأوا من عندهم مثل هذه العنوانات التقية ل"نشيد الأنشاد".

وفي القرن الحادي عشر تسللت لهجات الحديث حتى إحتلَّتْ مكانها بدل اللغة الميتة ، لتكون أداة للتعبير الأدبي ، كما فعلت في أوروبا بعد ذلك بقرن ؛ وأول شاعر عظيم استخدم اللغة الحية التي يتحدث بها الناس في نظمه هو "شاند بارداي" الذي نظم بالغة الهندية (الجارية في الحديث) قصيدة تاريخية طويلة تتألف من ستين جزءاً" ولم يمنعه من متابعة عمله هذا إلا نداء الموت ، ونظم "سور داس" شاعر "أجرا" الضرير ، 60.000 بيت من الشعر في حياة "كرِشنا" ومغامراته ، وقد قيل إن هذا الإله نفسه قد عاونه على نظمها. بل أصبح له كاتباً يكتب ما يمليه عليه الشاعر ، لكنه كان اسرع في كتابته من الشاعر في إملائه، وفي ذلك الوقت عينه كا "شاندي داس"- وهو كائن فقير- يهز البنغال هزّاً بما ينشد لها من أغان شبيهة بما أنشده دانتي. يخاطب بها معشوقة ريفية على نحو ما خاطب دانتي فتاته "بياترس" يصورها تصويرا مثاليا بعاطفه خياليه ، ويعلو بها حتى يجعلها رمزا للالوهيه. ويجعل حبه تمثيلا لرغبته في الإندماج في الله ؛ وهو في الوقت نفسه كان الشاعر الذي شق الطريق لأول مرة عن طريق اللغة البنغالية فكانت بعدئذ أداة التعبير الأدبي "لقد لذت بمأمن عند قدميك يا حبيبتي ، واذا لم أرك ، ظل عقلي في قلق... وليس في وسعي نسيان رشاقتك وفتنتك- ومع ذلك ليس في نفسي شهوة إليك" ؛ ولقد حكم عليه زملاؤه البراهمة بالطرد من طائفة الكهنوت على أساس انه كان يجلب العار لعامه الناس. فقبل ان ينكر حبه ل"رامي" في إحتفال علني ؛ لكنه وهو يباشر الطقوس الخاصة بذلك الإنكار ، رأى "رامي" بين الحشد المجتمع فعاد إلى نقض إنكاره ذاك وسار نحوهما وركع أمامها مشبك اليدين إعجاباً. وأنبغ شعراء الأدب المكتوب باللهجة الهندية (المتداولة في الحديث) هو "تولسي" الذي يوشك ان يكون معاصراً لشكسبير وقد ألقاه أبواه في العراء لأنه ولد لهم تحت نجمة منحوسة؛ فتبناه متصوف في الغابة وعلمه أغاني "راما" الأسطورية ، وتزوج ، ومات إبنه ، فأنسحب إلى الغابات حيث عاش عيش التوبة والتأمل ، وهناك وكذلك في بنارس كتب ملحمته الدينية "راما شارتا - ماناسا" ومعناه (بحيرة) من أعمال "راما" أخذ فيها يقص قصة "راما" مرة أخرى، وقدمه للهند بإعتباره الإله الاسمى الذي لا إله إلا هو ، يقول "تولسي داس": "ثمت إله واحد وهو راما خالق السماء والأرض ومخلص الإنسانية ... - ومن أجل عباده المخلصين جسد الله نفسه في إنسان فبعد إن كان "راما" إلهاً صار ملكاً من البشر ، ثم من أجل تطهيرنا عاش بيننا عيش رجل من عامة الناس". ولم يستطع إلا قليل من الأوربيين قراءة ملحمته في أصلها الهندي ، المقصود هو الهندية التي كانت جاريه في الحديث ، لأنه بات اليوم قديما مهجوراً ، ولكن أحد هؤلاء القليلين الذين إستطاعوا قراءة الأصل ، من رأيه إن تلك الملحمة تجعل "تولسي داس" (أهم شخصيه في الأدب الهندي كله) وهذه القصيدة لأهل الهندستان بمثابة إنجيل شعبي فيه ما يرجع اليه الناس من لاهوت وأخلاق ؛ ويقول غاندي: "إنني أعد "راما يانا" التي نظمها "تولسي داس" أعظم كتاب في الأدب الديني كله" ؛ وكانت بلاد الدكن في ذلك الوقت نفسه تنتج كذلك شعرا فنظم "توكارام" باللغة الماهراثيه 600 نشيد ديني تراها متداوله على الألسن في الهند اليوم تداول مزامير "داود" في اليهوديه أو المسيحية؛ ولما ماتت زوجته الأولى تزوج ثانيه من امرأة سليطة فأصبح فيلسوفا ، وكتب يقول: "ليس من العسير أن تظفر بالخلاص ، لأنك تجد الخلاص قريبا منك في الحزمة التي تحملها على ظهرك".

وفي القرن الثاني الميلادي أصبحت "مادورا" عاصمة الأدب "التأملية" وأقيمت بها "سانجام" أي جمعية قوامها الشعراء والنقاد تحت رعاية ملوك "بانديا" فإستطاعت - مثل المجمع العلمي الفرنسي - أن تضبط تطور اللغة ، وأن تخلع الألقاب وتمنح الهدايا. وأنشأ "تيروفا لافار"- وهو نساج من المنبوذين- أثراً أدبيا أفكاره دينية وفلسفية ، أنشأه في بحر من اعسر البحور "التأملية" وأطلق عليه إسم "كورال" فضمنه مُثُلا عليا أخلاقية وسياسية ، ويؤكد لنا الرواة أنه لما رأى أعضاء مجلس "سانجام"- وكلهم من البراهمة- مدى توفيق هذا المنبوذ في قرض الشعر أغرقوا أنفسهم عن آخرهم ، لكنا لا نصدق هذه الرواية إن قيلت من أي مجمع علمي مهما يكن أمره. وقد أرجأنا الحديث عن "كابر" - أعظم شاعر غنائي في الهند الوسيطة ، أرجأناه لنختم به الحديث ، ولو أن مكانه الزمني يأتي قبل ذلك ، و"كابر" نساج ساذج من بنارس ، أعدته الطبيعة للمهمة التي أراد القيام بها ، وهي توحيد الإسلام والهندوسية ، وذلك لأنه كما يقال من أب مسلم وأم من عذارى البراهمة ؛ فلما أخذ عليه لبه "راماناندا" الواعظ ؛ أخلص العبادة ل"راما" ووسع من نطاق "راما" (كما كان تولسي داس ليفعل) حتى جعله إلها عالمياً ، وطفق يقرض شعراً بلغة الحديث الهندية ، بلغ غاية في الجمال ، ليشرح به عقيدة دينية لا يكون فيها معابد ، ولا مساجد ، ولا أوثان ، ولا طبقات ، ولا ختان ، ثم لا يكون فيها من الآلهة إلا إله واحد ، يقول عن نفسه إن كابر: "إبن "رام" و"الله" ويقبل ما يقوله الشيوخ جميعاً ... يا إلهي ، سواء كنت "رام" أو "الله" )المقصود إله المسلمين(فأنا أحيا بقوة اسمك... إن أوثان الآلهة كلها لا خير فيها ، أنها لا تنطق ، لست في ذلك على شك ، لأني ناديتها بصوت عال... ماذا يجدي عليك أن تمضمض فاك ، أو أن تسبح بمسبحتك ، أو أن تستحم في مجاري المياه المقدسة ، وأن تركع في المعابد ، إذا كنت تملأ قلبك بنية الخداع وأنت تتمتم بصلاتك ، أو تسير في طريقك إلى أماكن الحج". جاء هذا القول منه صدمة قوية للبراهمة ، فلكي يدحضوه )هكذا تقول الرواية( أرسلوا إليه زانية تغويه، لكنها حولها إلى عقيدته ، ولم يكن ذلك عسيرا عليه ، لأن عقيدته لم تكن مجموعة من قواعد جامدة ، بل كانت شعوراً دينياً عميقاً فحسب:

هنالك يا أخي عالم لا تحده الحدود

وهنالك "كائن" لا أسم له ولا يوصف بوصف،

ولا يعلم عنه شيئا إلا من استطاع أن يصل إلى سمائه؛

وإنه لعلم يختلف عن كل ما يسمع وما يقال ؛

هنالك لا ترى صورة ، ولا جسداً ، ولا طولاً ، ولا عرضاً

فكيف لي أن أنبئك من هو؟

إن كابر يقول:

يستحيل أن نعبر عنه بألفاظ الشفاه ،

ويستحيل أن يكتب وصفه على الورق

إن الأمر هنا كالأخرس الذي يذوق طعماً حلواً- كيف يصف لك حلاوته.


وإعتنق "كابر" نظرية التناسخ الذي ملأت الجو من حوله ، ولذلك أخذ يدعو إلى الله- كما يفعل الهندوسي- ليخلصه من أغلال العودة إلى الولادة والعودة إلى الموت ، وكانت مبادئه الخلقية أبسط ما يمكن أن تصادف في هذه الدنيا من مبادئ:

عش عيشة العدل وابحث عن السعادة عند مرفقك

إني ليضحكني أن أسمع أن السمك في الماء ظمآن

إنكم لا ترون "الحق" في دياركم فتضربون من غابة إلى غابة هائمين على وجوهكم!

هاكم الحقيقة! اذهبوا أين شئتم ، إلى بنارس أو إلى مأثورة

فإذا لم تجدوا أرواحكم، فالعالم زائف في أعينكم...

إلى أي الشطئان أنت سابح يا قلبي؟ ليس قبلك مسافر، كلا بل ليس أمامك طريق...

ليس هنالك جسم ولا عقل ، فاين المكان الذي سيطفئ غله روحك؟

انك لن تجد شيئا في الخلاء

تذرع بالقوة وادخل إلى باطن جسدك أنت،

فقدمك هناك تكون على موطئ ثابت

فكر في الأمر مليا يا قلبي! لا تغادر هذا الجسد إلى مكان آخر


إن "كابر" يقول:

اطرد كل صنوف الخيال من نفسك،

وثبت قدميك فيما هو أنت.


ويقول الرواة إنه بعد موته إعترك الهندوس والمسلمون على جسده ، وتنازعوا الرأي ، أيدفن ذلك الجسد أم يحرق ؛ وبينما هم في تنازعهم ذاك ، رفع أحد الحاضرين الغطاء عن الجثة ، فإذا بهم لا يرون تحته إلا كومه من الزهر ، فأحرق الهندوس بعض ذلك الزهر في بنارس ، ودفن المسلمون بقيته ، وأخذت أناشيده تتناقلها الأفواه بين عامه الناس بعد موته ، ولقد أوحت تلك الأناشيد إلى "ناناك" - وهو من طبقة السيخ - فأنشأ مذهبه القوي ، ورفع آخرون "كابر" إلى مصاف الآلهة ، وانك لتجد اليوم طائفتين صغيرتين متنافستين تتبعان مذهب هذا الشاعر وتعبد اسمه ؛ هذا الشاعر الذي حاول ان يوحد المسلمين والهندوس ، والطائفتان إحداهما من الهندوس والأخرى من المسلمين.


المصادر :


ول ديورانت; أرييل ديورانت. قصة الحضارة, ترجمة بقيادة زكي نجيب محمود.

التصنيف: ثقافة الهند




 
 توقيع : نبضة قلب



ستظل في قلوبنا ياناصر كلما قرأناكَ حرفاً

الله يرحمك ويغفر لك


رد مع اقتباس
قديم 11-20-2011, 01:24 AM   #120
نبضة قلب
تفاصيل مختلفة



الصورة الرمزية نبضة قلب
نبضة قلب متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 379
 تاريخ التسجيل :  Jun 2011
 المشاركات : 17,783 [ + ]
 التقييم :  2147483647
 الدولهـ
Saudi Arabia
 الجنس ~
Female
 MMS ~
MMS ~
لوني المفضل : Black
شكراً: 1,173
تم شكره 296 مرة في 226 مشاركة

مشاهدة أوسمتي

افتراضي السِّمات البارزة للفلسفة الهنديَّة



تمهيد

تطورت الفلسفةُ الهندية تطورًا طويلاً ومعقدًا؛ وقد يكون تاريخُ تطوِّرها أطول من تاريخ أيِّ موروث فلسفيٍّ آخر. ومع أن النظرة التاريخية ذات أهمية كبرى لفهم موروث كهذا، فإنه يتعذر علينا القيام بدراسة تاريخية دقيقة لهذا التطور. ونتيجة للنقص في تدوين التاريخ لدى الهنود أنفسهم فقد ضاع الكثير من التفاصيل المتعلقة بالتتابع التأريخي للنصوص الفلسفية الحِكَمية، أو على الأقل، لم يُحفَظ لها سجل. لذا يمكن كتابة تاريخ الفلسفة الهندية في خطوطها العريضة وحسب – هذا مع العلم بأن فلسفة كهذه لا تكتمل من دون التعرف إلى الفلاسفة المسؤولين عن ظهور المذاهب الفلسفية وعن تطور الفكر. وعلى كل حال، نتيجة لتعمق الهنود في الفلسفة وإهمالهم للتأريخ، فإننا نعرف عن الفلسفات الهندية أكثر مما نعرف عن الفلاسفة أنفسهم؛ إذ إننا لا نعرف سوى النزر اليسير عن سِيَر الفلاسفة الهنود الأقدمين. فمن جهة، نتعرف أحيانًا إلى مؤلِّف بعض القصائد؛ لكن، كما هي الحال في الفلسفة المادية الهندية وبعض الفلسفات الأخرى، تظل النصوص الأصلية غير متوافرة وتفاصيل المناهج مجهولةً تمامًا.

المراحل الرئيسة الأربع للفلسفة الهندية

مرت الفلسفة الهندية إبان تطورها بأربع مراحل رئيسة انتهت في العام 1700 ب م: أولاها مرحلة الفيدا التي يعتريها الغموض، وتقع تقريبًا بين 2500 و600 ق م. في تلك الفترة، استقر الآريون الذين قدموا إلى الهند من آسيا الوسطى وجعلوها موطنًا جديدًا لهم وطوروا ثقافتها وحضارتَهم الآرية تدريجيًّا. أما من الناحية العلمية، فإنه لا يمكن تسمية هذه الفترة بـ"عصر فلسفي"، بل بفترة "تلمُّس" – وذلك لأن الدين والأسطورة والفلسفة اتصل بعضُها ببعض وعانت من نزاع وانقسام شديد مستمر. إنه، على كلِّ حال، عصر تطور فلسفي؛ وتُعتبَر مبادئه التي عُرِضَتْ في الأوپنشاد لهجةَ العصر، إن لم تكن النموذج الدقيق لتطور الفكر الفلسفي الهندي عمومًا.

تشتمل أدبيات هذه الفترة على أربعة من الفيدا هي: رِگْ فيدا، يَجُر فيدا، ساما فيدا، وأتَهرفا فيدا. ولكلٍّ منها أربعة أقسام تعرف بالمَنْترا، والبراهْمَنا، والأرِنيَكا، والأوپنشاد. وتشكل المنترا، وهي أناشيد، وخاصة الأناشيد الأخيرة من رِگ فيدا، بداية الفلسفة الهندية. وفي انطلاقها من فكرة التعدد في الأجزاء الأولى من الفيدا، مرورًا بالتوحيد وانتهاءً بالواحدية الوجودية، عبرت هذه القصائد والأناشيد الطريقَ إلى الواحدية في الأوپنشاد. وتشتمل البراهمنا، وهي مخطوطات دينية، على قواعد السلوك وواجبات العبادة. أما الأرنيكا والأوپنشاد، فإنها تمثل خلاصة البراهمنا وتبحث في المسائل الفلسفية. وترشد البراهمنا ربَّ البيت إلى طريقة العبادة اللازمة، حتى إذا ما حلَّت به الشيخوخة وجب عليه أن يلجأ إلى الغابة ليأخذ مكانه شخصٌ آخر يقوم بالطقس الذي كان يقوم به هو سابقًا.

والأرنيكا، التي تقع بين البراهمنا والأوپنشاد، تشجع الملتجئين إلى الغابة على التأمل. وتمثل الأرنيكا مرحلة الانتقال من طقوس البراهمنا إلى فلسفة الأوپنشاد. ولئن كانت الأناشيد من إبداع الشعراء، فإن البراهمنا من وضع الكهنة والأوپنشاد حصيلةُ تأمل الفلاسفة. وعلى الرغم من أن الأوپنشاد استمرار لديانة الفيدا، لكنها تُعتبَر احتجاجًا فلسفيًّا قويًّا على ديانة البراهمنا. والحق أننا نجد فيها الميل إلى الواحدية الوجودية الروحية – هذا الميل الذي تتصف به الفلسفة الهندية بوجه أو بآخر والذي يعتمد الكشف العقلي كمرشد إلى الحقيقة المطلقة أكثر مما يعتمد الفكر.

*

تمتد الفترة الثانية لتطور الفكر الفلسفي الهندي – وهي المرحلة الملحمية – بين 500 أو 600 ق م و200 ب م. وتُعرَف هذه الفترة بأنها عرض مباشر للعقائد الفلسفية في أدب غير ممنهج وغير علمي – ونخص منها بالذكر ملحمتَي الراماينا والمهابهارَتا العظيمتين. وتشمل هذه الفترة أيضًا النشوء الأول للبوذية والجينية والشيفية (نسبة إلى الإله شيفا) وغيرها. وتُعتبَر البهگفدگيتا، وهي جزء من المهابهارتا، أحد النصوص الثلاثة الرئيسة في الأدب الفلسفي الهندي. وعلاوة على ذلك، تعود بداية المدارس الهندية المستقيمة الرأي إلى تلك الفترة، كما تعود بداية المناهج العديدة إلى فترة ظهور البوذية؛ إذ إنها تطورت معها. أما الأعمال المنهجية للمدارس الرئيسة فقد كُتِبَتْ بعد ذلك الحين. غير أن أصول معتقدات المدارس العديدة وُضِعَتْ في أثناء الحقبة الملحمية.

وتُعتبَر هذه الحقبة من أخصب المراحل الفلسفية الهندية وغيرها من الفلسفات، كاليونانية والفارسية والصينية؛ وقد ترشدنا معرفتُنا لهذه الفترة إلى غنى الفكر الفلسفي وتنوعه وعمقه. وفي تلك الفترة انبثقت فلسفاتٌ أخرى أيضًا، كمذهب الشك، والمذهب الطبيعي، والمذهب المادي، إلى جانب البوذية والجينية والمناهج الأخرى التي عُرِفَتْ فيما بعد بالمناهج الهندية الأرثوذكسية. أما مناهج التشارفاكا والبوذية والجينية غير الأرثوذكسية فقد تبلورت في مناهج مُحكمة في وقت لاحق.

في تلك الفترة، نُظِمَ الكثير من دهرما شاسْترا، وهي مقالات في الأخلاق والفلسفة الاجتماعية. وصُنِّفَتْ هذه المقالات، مثلها كمثل غيرها من النصوص التي ظهرت آنذاك، في نصوص فلسفية نقلية (سمرِتي) إذا قيست إلى أدبيات فترة الفيدا (شروتي) التي تُعَد مراجع ونصوصًا ملهَمة وموثوقة. وتُعَد دهرما شاسْترا مقالات منظمة تتحدث عن سلوك الآريين في حياتهم، وتصف تنظيمهم الاجتماعي وأعمالهم وواجباتهم الأخلاقية والدينية.

*

تُعَد الفترة الثالثة مرحلة السوترا التي تعود إلى أوائل الحقبة المسيحية تقريبًا. وفي تلك الفترة، كُتِبَت البحوث الممنهجة للمدارس العديدة، واتخذت المناهج طابعَها الذي مازال قائمًا حتى الوقت الحاضر، ووُضِعَت عقائد كلِّ منهج في أقوال مُحكمة، يعتريها الغموض أحيانًا، وفي عبارات تُعَد تذكيرًا للمبتدئين، وذلك لكي تعرِّفهم إلى تفاصيل المناهج الفلسفية التي انتموا إليها والتي لا يعرفها معرفةً دقيقةً إلا الضالعون في ذلك المنهج. وفي تلك الفترة أيضًا، تطور الموقف النقدي في الفلسفة إلى جانب الموقف المنهجي؛ واحتوت السوترا شروحًا إيجابية للمناهج ومناظرات شاملة ضد المناهج الأخرى. وإضافة إلى ذلك، نجد في السوترا الفكر الذي يعي ذاته، إذ يقل فيه الخيالُ الإنشائي والبصيرة العفوية.

تتكون المناهج الهندية الستة الموجودة في السوترا في أثناء هذه الفترة من:

1. نيايا: الواقعية المنطقية؛

2. فَيشِشكا: التعددية الذرانية؛

3. سامكهيا: الثنوية التطورية؛

4. اليوگا: التأمل المنظم؛

5. پورفا ميمامسا: المقالات الأولى التفسيرية للفيدا المتعلقة بالسلوك؛ و

6. أوتَّرا ميمامسا: المقالات المتأخرة للفيدا المتعلقة بالمعرفة؛ وتسمَّى أوتَّرا فيدنتا التي تعني "نهاية الفيدا".

*

الفترة الرابعة – وهي المرحلة المدرسية – هي تلك التي كُتِبَتْ فيها الشروح على السوترا من أجل توضيحها. ولم تُكتَب الشروح على السوترا وحدها، بل وُضِعَتْ تفسيراتٌ لهذه الشروح، وتعليقات على تلك، إلخ. ومن الصعوبة بمكان أن نحدد تواريخ دقيقة لتلك الفترة الممتدة من زمن السوترا حتى القرن السابع عشر. وتُعَد أدبياتها توضيحيةً بالدرجة الأولى، وجدليةً أو تنظيريةً بالدرجة الثانية. وقد تناقشت جماعات من المعلِّمين طويلاً واختلفت في صدد تفاصيل العقائد الفلسفية مع ممثلي المدارس الأخرى. وأحيانًا، نجد أن الشراح مائلين إلى الغموض أكثر من التوضيح؛ لذا نجد المنطق الغامض يحل محل التوضيح والفلسفة. وتُعتبَر النماذج الرفيعة من الشروح قيِّمة، ولا تقل منزلةً عن واضعي المناهج أنفسهم. ويؤخذ شنكرا، مثلاً، – وهو كاتب إحدى الشروح الشهيرة على السوترا، على مذهب الفيدنتا – على أنه فيلسوف أفضل من بادَرايَنا، الرائي، الذي كتب الفيدنتا سوترا الأصلية (برهما سوترا) ذاتها. وقد شاعت في تلك الفترة مناقشات غير فلسفية وغير جديرة بالتقدير نسبيًّا. ومن ناحية أخرى، وُجِدَ إبانها أعظم فلاسفة الهنود، الذين نذكر منهم، بالإضافة إلى شنكرا، كومارِلا، شريدهَرا، رامانوجا، مَدهفا، فاتشَسپَتي، أودَيَنا، بهاسكَرا، راگهوناتها، وسواهم. وبالفعل، كان هؤلاء مبدعي مناهجهم الخاصة، ولم يكونوا مجرد معلِّقين على المناهج القديمة: ففي لباس المعلِّقين، عرضوا أفكارًا جديدة تمت بصلة إلى الأفكار القديمة. ويدل هذا الأمر على احترام الفلاسفة الهنود لفلسفاتهم القديمة وتعلُّقهم بها واعترافهم بالأصالة الفلسفية، كما يدل على الإبداع الفكري المتصل بعقلهم وبصيرتهم.

وفي الوقت الذي كانت فيه الفترة المدرسية تزدهر وكانت تفاسير الأفكار القديمة تدوَّن، فقدت الفلسفةُ الهندية روحها الدينامية حين وقعت الهند فريسة العدوان الأجنبي في القرن السادس عشر. ولوقت طويل، ظل الهنود الذين يحصِّلون ثقافةً إنكليزية يخجلون من موروثهم الفلسفي، ويفتخرون بأن يكونوا في تفكيرهم كالأوروبيين وبأن يقتفوا خطى الإنكليز في حياتهم وفكرهم. وقد أدى إحياء الإنكليز للثقافة إلى إحياء مماثل، غير مقصود، للفكر الهندي. وقامت في هذه الفترة حركاتُ إصلاح وطنية (مثل "برهمو سَماج" و"آريا سَماج") لعبت دورًا هامًّا في بعث نهضة فلسفية ودينية في الهند. وفي العصر الحديث – ونعني بعد قيام الحركة الوطنية وحصول الهند على استقلالها – اعتُبِرَتْ عمليةُ إحياء الفلسفة الهندية أعظم عمل نهضتْ له الهند.

وفي القرن العشرين، تأثر الفكر الهندي بالفكر الأوروبي، كما تأثر هذا الأخير بالفكر الهندي من خلال كتَّابه وشعرائه وفلاسفته وحكمائه. والحق أن إحياء الوعي الهندي والتعلق بعظمة فلسفته أدى، منذ عهد قريب، إلى تطوير "لهجة وطنية" في الفلسفة والسياسة. أما نزوع المتطرفين إلى الحطِّ من النتائج التي نجمت عن احتكاك الفكر الأوروبي بالفكر الهندي فقد اعتُبِرَ علامةً سيئة. واليوم، يفكر الهنود على غرار آبائهم: فهم يعتمدون على الأسُس القديمة ويقيمون انسجامًا بينها وبين الأسُس الحديثة. ولا شك أن تطور الفلسفة الهندية في المستقبل سيقترب من الفلسفة الأوروبية، وذلك في سبيل إحداث تأليف بين الفلسفتين.

روح الفلسفة الهندية وخصائصها

الفلسفة الهندية معقدة للغاية. وخلال العصور، تعمق العقل الفلسفي الهندي في دراسة الأوجُه المتعددة للخبرة الإنسانية وللعالم الخارجي. وعلى الرغم من أن بعض الطرق، مثل الطريقة التجريبية للعالم الحديث، كانت أقل تقدمًا من غيرها، لكن النتائج التي بلغتْها الفلسفةُ الهندية في معرفة الحقيقة كانت عميقة ومتنوعة، تمامًا كالموروثات الفلسفية الأخرى. والحق أن المناهج الهندية الستة الأساسية، ومناهجها الثانوية العديدة، ومدارس البوذية الأربع الرئيسة، والمدرستين التابعتين للجينية، ومادية تشارفاكا، تُعَد براهين على أن تنوع الآراء في الفلسفة الهندية أمر لا ريب فيه. وهكذا يصعب علينا أن نصف الفلسفة الهندية ككل بصفات أو طرق معينة، كما يصعب تطبيقها على جميع المناهج العديدة والثانوية للفكر الفلسفي الهندي التي تطورت خلال أربعة آلاف سنة تقريبًا. غير أن ثمة ما نستطيع أن نميِّز به هذه الفلسفة عن غيرها. ويمكن لنا أن نوضح هذه الميزات باتجاهات العقل الفلسفي الهندي أو بـ"وجهات النظر" التي شرحها الهنود في فلسفاتهم.

1. تتركز قيمة الفلسفة الهندية في الفكر الروحي

يُعتَبر الدافع الروحي هامًّا في حقلَي الحياة والفلسفة. إذ تنظر الفلسفة الهندية إلى الإنسان على أنه كائن روحي في طبيعته، وتهتم لمصيره الروحي، كما توحِّده مع وجود روحي في جوهره. لكن هذه النظرة لا تنطبق على مدرسة تشارفاكا المادية: باستثناء هذه المدرسة المادية، لا يُعتبَر الإنسان أو الكون ماديين من حيث الجوهر؛ كما أن نجاح الإنسان وازدهاره لا يشكلان هدفًا للحياة الإنسانية. وترتبط الفلسفة بالدين ارتباطًا وثيقًا، وذلك باعتبار الدين تأملاً فلسفيًّا، لأن الدافع الرئيس في الفلسفة والدين كليهما يكمن في السلوك سلوكًا روحيًّا في الحياة الأرضية وفي بلوغ خلاص الإنسان في علاقته بالكون. وهكذا تكون الفلسفة الهندية كلها، من بدايتها في الفيدا إلى الوقت الحاضر، قد جاهدت لتحقيق إصلاح اجتماعي–روحي في البلاد. وفي هذا السبيل، اتخذ الأدب الفلسفي أشكالاً عديدة، ميثولوجية وشعبية أو فنية وعلمية، وذلك لكي يرتقي بها إلى مستوى الحياة الروحية. حقًّا إن المسائل الدينية كانت، ومازالت، سبب عمق وقوة وغاية العقل والروح في الفلسفة الهندية.

2. تتيقن الفلسفة الهندية من علاقة الفلسفة بالحياة

يتحقق هذا التطبيق العملي للفلسفة في الحياة في كلِّ مدرسة فلسفية هندية تقريبًا. وعلى الرغم من أن الغزارة الطبيعية والازدهار المادي قد عبَّدا الطريق لإشراق فكر فلسفي، لكن الفلسفة لم تُعتبَر، مع ذلك، رياضةً ذهنيةً قط. لذا برزت العلاقة الوثيقة بين النظرية والواقع، بين العقيدة والحياة، في الفكر الهندي. وتبحث كل مدرسة فكرية هندية عن الحقيقة لا لذاتها، بل لتجعل الناس أحرارًا. ولا يعني هذا البحث شيئًا من الذرائعية لأنه أعمق وأعظم منها بكثير. فالحقيقة لا تقاس بالواقع والعمل فقط، بل تُعَد المرشد الوحيد للعمل والقائد الوحيد للإنسان الذي يفتش عن الخلاص. وينطلق كل منهج فلسفي هندي من مشكلات الحياة المأسوية والعملية، ويبحث عن الحقيقة لكي يحل مسألة شقاء الإنسان في العالم الذي يجد نفسه فيه. وهكذا لم تكن التعاليم الهندية مجرد كلمات أو معتقدات مدرسية. فكل معتقد في هذه الفلسفة يعمل على تفتيح قلب الإنسان وتحويل طبيعته. في الهند تعاش الفلسفة لأنها فلسفة حياة – وهذا لأنه لا يكفي أن نعرف الحقيقة، بل لا مناص لنا من أن نحياها. لذا لا يهدف الهندي إلى معرفة الحقيقة المطلقة وحسب، بل يسعى إلى تحقيقها ليتحد معها.

إن ما يؤكد العلاقة الوثيقة القائمة بين النظر والعمل، بين الفلسفة والحياة، في الفلسفة الهندية، هو التشديد على الطهارة الأخلاقية كضرورة حتمية لطالب الفلسفة أو الباحث عن الحقيقة. وفي هذا الصدد، يدعو شنكرا إلى التمييز بين الأبدي وغير الأبدي؛ وهذا يعني أنه يعلِّم الطالب أن يتحلَّى بمزية التساؤل ويحثه على الكف عن الرغبة في ثمار العمل، في هذه الحياة أو في الحياة المقبلة، كما يطالبه بأن يتنكر لكلِّ الرغبات البسيطة والدوافع الذاتية. ويدعو شنكرا إلى ضبط النفس، ونكران الذات، والصبر، وسكينة الذهن، والإيمان؛ كما يشدد على التحرر لتسهيل بلوغ الغاية العليا للحياة.

3. تتصف الفلسفة الهندية بموقفها وتقرُّبها الباطنيين من الحقيقة

تتصل الفلسفة اتصالاً وثيقًا بمعرفة الذات. وتنطلق هذه الفلسفة من العالم الخارجي أو من العالم الداخلي، من طبيعة الإنسان الفطرية، أي من ذات الإنسان (أتما). وفي سيرها لبلوغ الحقيقة، اهتمت الفلسفة الهندية بحياة الإنسان الداخلية أكثر مما اهتمت بالعالم الخارجي وبالطبيعة المادية. والعلم المادي، على الرغم من تطوره في العصر الذهبي للحضارة الهندية، لم يُعتبَر الطريق الذي يؤدي إلى الحقيقة التي لا توجد إلا في الداخل. فالعقل، وليس الموضوع، يحظى باهتمام الفلسفة الهندية. وهكذا يُعتبَر علم النفس وعلم الأخلاق فرعين للفلسفة؛ وهما بهذه المثابة أهم من العلوم التي تدرس الطبيعة المادية فقط. ولا يعني قولنا هذا إن العقل الهندي تغاضى عن دراسة طبيعة العالم المادي؛ بل على العكس، تفوقت الهند في بحوثها العلمية عمومًا، وفي العلوم الرياضية، كالجبر والفلك والهندسة بخاصة، واشتهرت بتطبيق هذه العلوم الأساسية في مجالات عديدة من النشاط الإنساني، وفي الوقت ذاته، أحرز الفكر الهندي تقدمًا في ميادين علم الحيوان والنبات والطب. لكن الهنود شعروا، منذ وقت طويل جدًّا، بأن روح الإنسان الباطنة هي المفتاح أو السر الوحيد لحقيقته وحقيقة الكون، وهي ذات دلالة أسمى من العالم المادي أو الخارجي.

4. الاهتمام بالباطن سبيل إلى المثالية

يتميز معظم فلاسفة الهند بأنهم "مثاليون"، بوجه أو بآخر. وتظهر مثالية الفلسفة الهندية، الهندوسية خاصة، بميلها إلى مثالية التوحيد. وتعتقد هذه الفلسفة، في غالبيتها، أن الحقيقة واحدة في مطلقها وروحية في مطلقها. ويبدو أن بعض المناهج قد اعتنق الثنوية أو التعددية، لكنه صَبَغَها بطابع الواحدية الوجودية. وإذا ما ركَّزنا تفكيرنا على ما تحتويه الفلسفة الهندية ككل، دون الانتباه إلى فروعها المختلفة، نجد أنها تشرح الحياة والحقيقة في ضوء مثالية الواحدية الوجودية. ويعود هذا إلى مرونة العقل الهندي وإلى مرونة المثالية الواحدية وديناميتها التي تتخذ أشكالاً عديدة وتعبِّر عن نفسها كوحدة – حتى في العقائد المتنازِعة. وفي الواقع، لا تُعتبَر هذه الوقائع متناقضةً بقدر ما تُعتبَر أوجهًا مختلفة للتعبير عن وحدة أساسية تكتنف الفلسفة الهندية جمعاء.

لعبت الفلسفة المادية دورها إبان مرحلة معينة في الهند. وعلى الرغم من محاولة المدارس الروحية إسكاتها، لكنها وجدت قبولاً لها عند بعض الناس. وعلى كلِّ حال، لم تستطع هذه المادية أن تستمر، وذلك لقلة أتباعها ولضآلة تأثيرها الإيجابي. لقد عرفت الفلسفة الهندية النزعة المادية، لكنها تغلَّبتْ عليها، وتقبَّلتْ المثالية، وجعلت منها النظرة الوحيدة القائمة، حتى ولو اتخذت لذاتها مضمونًا معينًا.

5. تعتمد الفلسفة الهندية على الكشف وسيلةً إلى معرفة المطلق وعلى الفكر وسيلةً إلى معرفة النسبي

الفكر والمعرفة الفكرية لا يكفيان. فعلى الرغم من أن الفكر لا يخطئ كليًّا، لكنه لا يكفي. فلكي يعرف الإنسانُ الحقيقةَ عليه أن يحظى باختبارها فعليًّا. ففي الفلسفة الهندية لا يعرف الإنسان الحقيقة وحسب، بل يحققها. أما الكلمة التي تعني "فلسفة" في الهند فهي درشنا التي تُشتَق من الجذر درش الذي يعني "الرؤيا". و"الرؤيا" هذه تعني أن نتجهز بخبرة كشفية مباشرة في الموضوع لنتحد معه. وتتعذر علينا المعرفة مادام الفكر والموضوع مختلفين أو متباعدين. وقد اعتمدت المذاهب اللاحقة للفلسفة الهندية، حتى منذ بداية المناهج، على الفكر من أجل صياغة ممنهَجة للمذاهب والمناهج، ومن أجل إيجاد تبريرات منطقية، كما اعتمدت عليه في حسم المناظرات التي كانت تقوم بين منهج وآخر. ومع ذلك، تعتمد المناهج كلها، ماعدا منهج تشارفاكا المادي، على وجود طريق أعلى لمعرفة الحقيقة، طريق أسمى من الفكر، هو الإدراك المباشر أو اختبار الحقيقة المطلقة التي لا يمكن الوصول إليها بالفكر بأيِّ شكل من الأشكال. يستطيع الفكر أن "يشير" إلى الحقيقة، لكنه لا يستطيع أن يكتشفها أو يبلغها. فإذا كان الفكر وسيلة الفلسفة بمعناها الفكري، كان الكشف الوسيلة الوحيدة لإدراك المطلق. وهكذا تعتمد الفلسفة الهندية اعتمادًا كليًّا على الكشف، وتعترف بفاعلية الفكر والذكاء عندما يطبَّقان في نطاق طاقتهما المحدودة أو فيما يناسبهما من استعمالات.

6. تعترف الفلسفة الهندية بالمرجعيات القديمة

على الرغم من اختلاف مناهج هذه الفلسفة في نطاق عودتها إلى شروتي القديمة وعلاقتها بها، فإنها تقف – الأرثوذكسي منها وغير الأرثوذكسي، باستثناء تشارفاكا – موقفًا نبيلاً وتتقبل البصيرة الكشفية التي تكلم عليها أصحاب الرؤى الأقدمون في الأوپنشاد، أكان مختبروها بوذيين أم مهافيريين (نسبة إلى مهافيرا، مؤسِّس الجينية) أم غيرهم. لقد أدرك الفلاسفة الهنود قيمة الموروث، كما أفصح عنه الأقدمون؛ ولم يخرج الفلاسفة الذين يعودون إلى الفترات المتأخرة عن كونهم شارحين للحكمة القديمة أو معلِّقين عليها. وعلى الرغم من التبدل الذي طرأ على المذاهب القديمة، لكن روحها وأفكارها الأساسية حافظت على قيمتها على مدى العصور.

والحق أن احترام المرجعيات لا يقف حائلاً دون التقدم، لأن استمرار الفكر، وإنْ لم يكن على صعيد واحد، لا يقضي على وحدة المعتقدات ولا يناقض صفاتِها الأساسية التي تقوم على الروحانية والباطنية والكشف والاعتقاد الوطيد بأن الحقيقة يجب أن تعاش، لا أن تُعرَف وحسب.

إن احترام الهنود الشديد لرائيهم الأقدمين – وإنْ يكن مبالَغًا فيه – ينبع من اعتقادهم بأن الذين يعرفون الحقيقة فعلاً هم هؤلاء الذين يحققون الحقيقة. لذلك فهم يوجهون أنظارهم نحوهم ليدركوا الحقيقة التي أدركها سالفوهم. لقد أبدعت الهند مذاهب كثيرة ومناهج فلسفية عديدة؛ وقد تم هذا الإبداع على الرغم من احترام الهنود لحكمائهم الأقدمين واعتبارهم مكتشفي الحكمة. ويظهر احترام الهنود لمكتشفي الحقيقة الأقدمين وإبداعهم المستمر في إعلانهم أن الفلسفة الهندية ليست معتقدًا دينيًّا مذهبيًّا، بل هي فكرة واحدة تدور حول موضوعات عديدة. ويبدو تحرُّر هذه المناهج من النزعة التقليدية القديمة في أن مذهب سامكهيا الأصلي، مثلاً، لا يذكر شيئًا عن إمكان وجود الله، على الرغم من وضوح الفكرة في مذهبه. ويعترف اليوگا والفيشِشكا بوجود الله، لكنهما لا يعترفان بأنه خالق العالم المادي؛ أما ميمامسا فإنه يتحدث عن الله، لكنه ينفي أهميته ويُدخِل فاعليته في باب النظام الأخلاقي للعالم. ولكي نفهم هذه الأمور فهمًا أوضح، علينا أن نعود إلى المناهج البوذية الأولى التي ترفض الإله الشخصي وإلى تشارفاكا التي تنكر وجود الإله اللاشخصي. وهذا ما يدلنا على اعتماد الفكر الفلسفي الهندي على مقوماته الأولى والقديمة على الرغم من اختلافه معها.

7. ضرورة النقل لروح الفلسفة الهندية ونهجها

تعود هذه الفكرة إلى رِگ فيدا، حيث أدرك الراؤون أن "الدين الحق" يشتمل على جميع الأديان: الله واحد، لكن الناس يدعونه بأسماء مختلفة. وتعترف الفلسفة الهندية، بطريقتها التأليفية، بالمظاهر المتعددة للتجربة والحقيقة. فالدين والفلسفة، المعرفة والسلوك، الكشف والفكر، الإنسان والطبيعة، الله والإنسان، الظاهر والباطن، مظاهر تنسجم كلها في الميل "التأليفي" للعقل الهندي. ويميل الهندوسي إلى الاعتقاد بأن المناهج الستة، بالإضافة إلى اختلافاتها وفروعها الثانوية، ينسجم بعضها مع بعض وتتكامل في الرؤيا الكلِّية الواحدة.

ولدى مقارنتها بالفلسفة الغربية، بموقفها التحليلي حيال المعرفة والتجربة، تكون الفلسفة الهندية "تأليفية". فالنصوص الأساسية لهذه الفلسفة لا تهتم لمظهر واحد للتجربة والحقيقة، بل تهتم لمحتوى النطاق الفلسفي كلِّه. فالميتافيزياء، والإپستمولوجيا، والأخلاق، والدين، وعلم النفس، إلخ، مسالك لا ينفصل أحدها عن المسالك الأخرى؛ بل إن الفكر يتعامل معها في وحدتها الطبيعية كمظاهر لحياة وتجربة واحدة أو لحقيقة واحدة شاملة.

هذه الرؤيا التأليفية للفلسفة الهندية هي التي حققت هذا التسامح الديني والفكري الذي نراه في الفكر الهندي خلال العصور. والمنازعات الحديثة بين الجاليات الدينية القائمة لأسباب سياسية ليست من فعل العقل الهندي، بل هي خصم لدود لعبقريته الفريدة الساعية إلى التكيف والتسامح الذي يجمع الفرق والملل ضمن حقيقة واحدة وحياة واحدة.

*

بالإضافة إلى هذه الصفات النظرية والعقلية الملازمة للفلسفة الهندية، نجد وحدةً فكريةً متماسكةً أساسيةً في الحقل العملي. ولهذه الوحدة أوجُه عديدة. ففي الدرجة الأولى، تنبع مواضيع فلسفات الهند – هندوسية وبوذية وجينية وتشارفاكا – من القضايا العملية لحياة الإنسان ومن قصوره وآلامه التي تتألق في ذروته – باستثناء عقيدة تشارفاكا – في الانعتاق الكامل. وفي كلِّ حالة، بما فيها التشارفاكا، يتسم الموضوع بالواقعية أكثر من النظرية، وذلك لأن تشارفاكا لا يهتم بالنظري لذاته، بل لعيش حياة اللذة، من حيث إن هذه تُبرِز نمطًا آخر من أنماط الحياة. لذا فإن غاية الحياة في الهندوسية والبوذية والجينية واحدة في الجوهر: مفهوم "الانعتاق" (مُكشا) هو الموضوع الرئيسي في الهندوسية والجينية، تمامًا كما يتحقق في النيرفانا، غاية البوذية. أما المعنى الدقيق للانعتاق فإنه يختلف بين المدارس الهندوسية والبوذية ذاتها؛ لكن المعاني الأساسية لـمُكشا (الانعتاق) والنيرفانا ("الفناء") هي الغبطة التي تعني التحرر من الشقاء والألم والانعتاق من دورة التجسد من جديد (سمسارا). وأحيانًا، يبدو الهدف سلبيًّا، إذ يشير فقط إلى التحرر من الألم ومن التقمص؛ ومع ذلك، فهو يعني العمل الإيجابي من أجل تحقيق حياة أغنى وأكمل والوصول إلى الغبطة الأبدية. فالروح تعمل من جديد على تحقيق صفائها الأصلي لتتحد مع المطلق وتقيم علاقتها مع الله بمجرد الوجود الأزلي للروح النقية في فرديتها، وفي كلِّ الأحوال، تتحرر من قصورها وتورُّطها في الحياة.

لمناهج ومدارس الفلسفة الهندية عقلٌ واحد في ما يتعلق بغاية الحياة وبوجود صالح على الأرض. فالروح الأساسية لفلسفة الحياة في الهندوسية والبوذية والجينية تكمن في اللاتعلق (الزهد). ويُعتبَر اللاتعلق هذا موقفًا عقليًّا يحققه الفرد في النصيب المقسوم له من الحياة. وعلى هذا الأساس، يحيا وجودًا يوميًّا "عاديًّا" مع الناس، دون أن يتبرم بنتائج أفعاله أو يتورط فيها؛ وبهذا يبلغ نوعًا من التسامي الروحي والعقلي على المفاهيم الأرضية دون أن تستعبده. ولا يكون هذا الموقف سلبيًّا أو هروبًا، لأن الفرد يشارك في نشاطاته اليومية بما يتفق مع موقعه في المجتمع. ويكون هذا العيش والسلوك والعمل الخالي من إحساس التعلق بالأشياء القضيةَ الرئيسةَ التي تجعله يحيا في هذا العالم دون أثرة أو أنانية.

*

تعترف مدارس الهندوسية والجينية والبوذية بعقيدتي كَرما والتقمص. وتؤمن هذه المدارس بأن الإنسان ملتزم بتحقيق الكمال الروحي والأخلاقي إن هو شاء الخلاص. وتعتقد أيضًا أن العدالة هي قانون الحياة الأخلاقية تمامًا كما أن ناموس "العلة والمعلول" قانون العالم الطبيعي: "ما يزرعه الإنسان إياه يحصد." ولما كانت العدالة والكمال الأخلاقي لا يتحققان في عمر واحد، فإن هذه المناهج تؤمن بالتجسد من جديد (التقمص) حتى يُمنَح الإنسانُ فرصةً تتيح له إمكان التقدم الأخلاقي الذي يؤدي به إلى الكمال. لذا يعزز الفلاسفة الهندوس، باستثناء أتباع مدرسة تشارفاكا، منذ بدايات الفيدا حتى المراحل اللاحقة، فكرة النظام الأخلاقي للكون. فكَرْما والتقمص هما الوسيلتان اللتان، من خلالهما، يتحقق النظام الأخلاقي للكون في حياة الإنسان.

نظام الطوائف

ثمة عامل آخر يوحِّد المدارس الهندية في الحقل العملي، على الرغم من أن مدارس تشارفاكا والبوذية والجينية لا توافق عليه، وهذا لأن نمط الحياة الاجتماعية الذي تقبل به المدارس، دون الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات القائمة بينها في حقلَي الميتافيزياء والإپستمولوجيا، يتجلَّى في تقسيم المجتمع إلى أربع "طوائف"، تمثل للمراحل الأربع للحياة، أي القمم الرئيسية التي يبحث عنها الإنسان. ففي الهندوسية، ينقسم المجتمع إلى أربع فئات تتحد في الوظيفة، وهي: الكاهن المعلم (برهمِن)، الملك أو القائد السياسي والحربي (كشتريا)، والتاجر (فَيشيا)، والعامل (شودرا). وتسمَّى الطوائف الثلاث الأولى "المولودة مرتين"، ويشير هذا اللقب إلى الهندوس الذين تلقوا أسرار الدين؛ أما الطائفة الرابعة فإنها لا تتصف بهذه المزية. وتشمل حياة "المولودين مرتين" مراحل أربع هي: الطالب (برهمتشارِن)، ورب البيت (گرِهَستها)، وساكن الغابة (فانَپرَسْتها)، والراهب الجوال (سنياسِن).

وفي هذا النظام الاجتماعي، لا يدخل الفرد حياة العزلة ما لم يكن قد أتم واجباتِه نحو الناس كطالب وكربِّ أسرة؛ وفي المرحلتين المتأخرتين من حياته، يركز أكثر فأكثر على الناحية الروحية ويبحث عن الحقيقة لكي ينعتق. لذا كانت غايات الحياة التي يتقبلها الهندوس تتجسد في الاستقامة أو طاعة القانون الأخلاقي (دهرما)، وفي الثروة والتقدم المادي (أرْتها)، وفي الرغبة (كاما)، وفي التحرر (مُكشا). ويسيطر دهرما، القانون الأخلاقي، على الحياة؛ وهذا يعني أن تحقيق الثروة وتلبية الرغبة لا يتمان بكسر قواعد الأخلاق. لذا، كان مُكشا يمثل الغاية السامية التي يهفو إليها الناس. ويتقبل الهندوس هذه الفلسفة الاجتماعية دون أي تعليق. وتتجلَّى هذه الفلسفة في أدبيات دهرما شاسْترا، لكنها لا تحظى بأيِّ بسط ولا توجد إلى جانب أيِّ تبرير فلسفي في النصوص الفلسفية التطبيقية. وفي نظر الهندوس، تكون هذه الحياة المثالية بمثابة روح الوحدة لحياة البلاد الاجتماعية والخلقية، وذلك على الرغم من أن البوذية والجينية – وهما أقليتان – لا تتبعان هذا النموذج الخاص المحتذى للحياة.

خاتمة: القيمة المتضمَّنة في دراسة الفلسفة الهندية

تُعتبَر دراسةُ الفلسفة هامةً من النواحي الفكرية والتاريخية والسياسية. ويعتبر الموروث الهندوسي الفلسفةَ أقدم وأطول تطور مستمر للبحث العقلي عن طبيعته الحقيقية ومكانة الإنسان في نظرها. وقد بدأ هذا الموروث باستهلال الفيدا القديمة، التي يمكن لنا اعتبارها أقدم المخطوطات التي وصلتنا عن العقل الإنساني والتي استمرت، على كرِّ العصور، في تقدم فلسفي مزدهر، جاهدةً أن تستوعب الحياة والحقيقة. ودراستنا، نحن أبناء اليوم، لهذا الموروث يجب ألا تكون عملية تنقيب أثريٍّ عن شيء مضى. وعلى الرغم من أننا نحترم الماضي ونقدِّره، فقد اهتم العقَّال الهنود، إبان العصور، بالحقيقة الجوهرية التي لا تخضع لزمان ولا لمكان.

كذلك، يجب ألا ندرس الفلسفة الهندية كمجرد دراسة إقليمية لبلد ماضٍ حاول أن يبلغ تخوم الحقيقة. وعلى الرغم من اتهام بعض النقاد الغربيين للفلسفة الهندية بإهمال الطريقة العلمية، فإن المفكرين الهنود لم يكونوا ضد التجربة، ولم يهملوا الطبيعة في دراساتهم للحقيقة؛ وفي دراستهم للإنسان، لم يقتصروا على صفات الإنسان الهندي. إذن، فالتركيز الهندي على دراسة طبيعة الإنسان الداخلية هو، في غالبيته القصوى، تركيز على دراسة الإنسان العالمي.

كانت تعاليم فلاسفة الهنود، ولا تزال، نقاط تحوُّل للفكر الإنساني. ولم تكن جميع الأفكار والمناهج الفلسفية الهندية عميقة وذات دلالة؛ لكن العمق والسموَّ اللذين بلغهما الراؤون والمفكرون الهنود يشيران إلى عمق القوى التي يتحلَّى بها العقل الإنساني. لذا تمثلت الفلسفة الهندية في عقل الإنسان وروحه وهما يتسنَّمان ذروات قواهما في الحقلين الديني والفلسفي.

ومن الناحية الفلسفية، تُعَد دراسةُ الفلسفة الهندية هامة في البحث عن الحقيقة؛ وهذا لأن واجب الفلسفة يتضمن شمولية أنماط البصيرة كلِّها والتجارب الواقعة في نطاقها جميعًا. والحق أن للفلسفة الهندية أثرًا واضحًا في هذا المجال. وتتمثل المسائل الرئيسة في الفلسفة الهندية في تلك الموضوعات التي يواجهها الإنسان المفكر منذ أن بدأ يتساءل عن الحياة والحقيقة. ولهذه الفلسفة قضايا أخرى خاصة بها، وتوكيدات مختلفة، ورسائل فهم للحقيقة، وحلول فريدة، هي: مساهمة الهند في رسم الحقيقة داخل إطارها الكلِّي. والحق أن الحاجة الماسة إلى الفلسفة، في الوقت الحاضر، تشير إلى الإلمام بسائر المنظورات الفلسفية التي تشتمل على البصائر الفلسفية العائدة إلى الموروثات العالمية الكبرى كافة. إذن، فالهدف ليس أن نتبنَّى فلسفةً فريدةً تقضي على الفوارق في المنظور، بل أن نتفق على قيم ومنظورات مطلقة تُعتبَر أساسيةً للفلسفات جميعًا. وإن فلسفة عالمية كهذه تتضمن البصيرة الروحية التي تميز بها أصحاب الرؤى والمفكرون الهنود الذين قادوا البحث الفلسفي الهندي أو وجَّهوه طوال عصور عديدة.

يُعتبَر من الأهمية السياسية بمكان أن تُقدِم شعوبُ العالم على دراسة الفلسفة الهندية. وكما يبدو، تظهر الدعوة إلى "عالم واحد" وكأنها من مآثر الفكر السياسي. والواقع هو أنه يتعذر تحقيق الوحدة السياسية في معزل عن تفاهُم فلسفي. فالبصائر السياسية، والاتفاقيات، والفوارق السياسية، إلخ، تُعتبَر ثانوية من منظور العقل الإنساني. وتعتمد الأحوال الاجتماعية والسياسية في المناطق المتعددة للعالم، في تحليلها النهائي، على الفكر الفلسفي والروحي وعلى مثاليات شعوب العالم. إذن، فالفلسفة هي القطب الذي لا مناص للإنسان من الاتجاه إليه، وهي الأمل الذي ينشده الإنسان من أجل تقريب شعوب العالم بعضها من بعض في مودة وتفاهم وفي انسجام روحي وعقلي. من دون هذا الانسجام والتقارب، يتعذر تحقيق الوحدة السياسية أو غيرها؛ وهذا لأن مستقبل الحضارة يعتمد على عودة الوعي الروحي إلى قلوب الناس وعقولهم. وقد ساهمت الفلسفة الهندية، إبان تطورها الطويل الذي ركَّز على الناحية الروحية، مساهمةً قيمةً يصعب علينا الاستغناء عنها في هذا المجال.

*** *** ***



مراجع أساسية

- DASGUPTA, S., Indian Idealism, Cambridge University Press, 1962.

- GARRATT, G.T. (ed.), The Legacy of India, Oxford University Press, 1938.

- LEVY, J., The Nature of Man According to the Vedanta, Routledge & Kegan Paul, London, 1956.

- RADHAKRISHNAN, S., Indian Philosophy, vols. I & II, The Macmillan Company, New York, George Allen & Unwin, London, 1956.

- RADHAKRISHNAN, S., The Hindu View of Life, George Allen & Unwin, London, 1954.


 
 توقيع : نبضة قلب



ستظل في قلوبنا ياناصر كلما قرأناكَ حرفاً

الله يرحمك ويغفر لك


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مقهى الشلالات ... حصري لمنتدى الشلالات ... نبضة قلب جدائل الغيم 1166 11-22-2014 12:16 PM
فيس بوك الشلالات JIJiiiJI ساحة الغيم 26 03-21-2012 12:46 AM
مكتبة الشلالات الأدبية الجوهـرة مكتبة الغيم 0 11-23-2011 06:23 PM


الساعة الآن 09:33 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
Arabization: Support-ar.com
F.T.G.Y 3.0 BY: D-sAb.NeT © 2011
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009